هكذا تكلم نزار قباني..عن الشعر والجنس والثورة
هذا الحوار الطويل الذى دار بين الناقد منير العكش ونزار قباني ، ، أعتبر من أدق أحاديثه وأخطرها ، وأكثرها مسؤولية . وهو بالإضافة إلى شموليته ، وتحركه على محاور فكرية وفلسفية وفنية متعددة ، ويتيح للجمهور أن يرى فكر الشاعر
منير العكش : - هل يشاركك جمهورك في كتابة قصيدتك ؟
نزار قباني : - إذا كنت تعني بالمشاركة أنّ هذا الجمهور يجلس على أصابعي عندما أكتب، فهذا غير صحيح
. أمّا إذا كنت تعني بالمشاركة أنّني أستقطب هموم هذا الجمهور وانفعالاته وأتحسّس بها كما تشمّ الخيول رائحة المطر قبل سقوطه... فهذا صحيح. بهذا المعنى، أنا أقف على أرض التوقّع والنبوءة.
حبيبتي هي كل النساء ..
منير العكش : - تعني أنّ هموم الجماهير استغرقتك كلّية، وأنّه ليس هناك انفصال بينها وبين تجاربك الصغيرة ؟
نزار قباني : - ليس عندي تجربة صغيرة وتجربة كبيرة. كلّ تجاربي الصغيرة هي في الوقت ذاته تجربة العالم كلّه. فأنا، حين أتحدّث عن حبّي، إنّما أتحدّث عن حبّ العالم كلّه، وحين أتحدّث عن حزني، إنّما أتحدّث عن حزن الدنيا بأجمعها. تخطئ حين تظنّ أنّ تجربة الشاعر الجزئية تجيء من برزخ آخر. فالشاعر جزء من أرض، ومجتمع، وتاريخ، وموروثات ثقافية ونفسية وعضوية. وكلّ كلمة يضعها الشاعر على الورقة، تحمل في ثناياها الإنسانية كلّها. والتجربة الذاتية التي تظنّها صغيرة، تأخذ في بعض الأحيان حجم الكون. لذلك فإنّ خصوصيات الشاعر، بمجرّد اصطدامها بالورق، تتعدّى ذاتها، لتصبح فضيحة، فضيحة يقرؤها العالم.
إنّ الأدب الذاتي خرافة... وافتراض. فالذات ليست إلكتروناً منفصلاً ولكنّها جزء من حركة الكون. حتّى في حالات عشقي الشخصي، أشعر أنني أكثر كونية .. وأشعر أنّ الواحدة التي أحبّها... هي كلّ النساء.
النوم في عيون النساء
منير العكش: - لكنني أعتقد أن تحولك العميق ، منذ (الممثلون والإستجواب) كان صيغة لنداء الآخر ، وأثراً من طغيان الجماهيرية عليك. وأنت تعرف تلك الهمسات التي كانت تستغيب نزار قباني وتتهمه بالتجارة بعواطف الجماهير .
نزار قباني : - أنا أعتقد أن التحول من شعر الحب إلى شعر السياسة ليس تجارة رابحة مطلقاً ، فالنوم في عيون النساء أكثر طمأنينة من النوم بين الأسلاك الشائكة ، وتجارة العطر أربح من تجارة الخل . والإنسان الذكي هو الذي لا يسقط فى بئر السياسة في بلادنا . إن مملكة الحب تبقى أسعد الممالك . وثق أنه كان بإمكاني أن احتفظ بسلطتي على مملكة الحب زمناً طويلاً . ولديَّ كل الإمكانيات على الصمود والدفاع عن عرشي ورعيتي .
إن تحولي إلى السياسة ، وأنا لا زلت أصر أنه لم يكن تحولاً ، كان نتيجة هزة داخلية كسرت كل ألواح الزجاج فى نفسي .. دفعة واحدة . ومن نثارات الزجاج التي خلفها حزيران ، على أرض حواسي ، صرختُ بصوت آخر.
وأريد أن أؤكد أن شعري السياسي علقني على أكثر من صليب وأكثر من حبل مشنقة . إن نصف الأنظمة العربية تقف من شعري السياسي موقف العداء والرفض ، وتمنع كتبي من دخول أراضيها . فى حين أنها كانت تدللني (كشاعر حب) وتفتح لي ذراعيها.
كان بإمكاني أن أتبع مبدأ التقية ، كما يفعل الباطنيون والجبناء ، ولكنني اخترت أن أموت على الطريقة البوذية حرقاً ، لأنني أؤمن أن الكتابة نوع من الشهادة ، وأن الشاعر الحقيقي هو الذى يُـذبح بسيف كلماته ، كما فعل سقراط والحلاج . إنني شاعر اختار المسير دائماً على حد الخنجر وأظن أن النوم على حد الخنجر ليس نوماً مريحاً ولا مرغوباً فيه.
الحب الذى ربطوني به ، ليس الحب الذي تحدده جغرافية جسد المرأة . إنني أرفض مواراتي فى مثل هذا القبر الرخامي الضيق. فالمرأة قارة من القارات التي سافرتُ إليها ، ولكنها بالتأكيد ليست العالم كله . إن الحب عندي يعانق الوجود كله . إنه موجود في التراب ، وفي الماء ، وفي الليل ، وفي جراح المناضلين ، وفي عيون الأطفال ، وفي ثورات الطلاب ، وغضب الغاضبين.
المرأة موقف من المواقف فى رحلتي البحرية الطويلة ، ميناء من الموانئ ، زودني ذات يوم بالخبز والماء والحرير وأعواد البخور . لكن بقية الموانئ ظلت تنادي سفينتي . إن أسوأ شىء فى تاريخ البـَحـَّـار ، هو الرسو فى ميناء واحد . فالميناء الواحد مقبرة للطموح . وخلال رحلتي الطويلة مع الشعر ، لم تبقَ المرأة فى مكانها ، ولم أبقَ فى مكاني . كان لابد من تغيير المقاعد والأثاث والأدوار ، حتى لا يتحول الحب إلى مملكة من ممالك الضجر.
نقلت سريري إلى الهواء الطلق ..
منير العكش :- حتى هذا فى رأيي لا ينفى عن شعرك احتراف الإثارة .
نزار قباني :- إنني لا أحترف الإثارة . ولكنني أرمي أوراقي على الطاولة بشجاعة وألعب بكل رصيدي . أنا رجل يرفض أن يلعب لعبة الحب خلف الكواليس .. لذلك نقلتُ سريري إلى الهواء الطلق .. وكتبت قصائد حبي على أشجار الحدائق العامة. أردت أن أحرر أثداء النساء من أسنان الخلفاء ، أن أنهي مرحلة السرية والأحكام العرفية المفروضة على جسد المرأة العربية ، وأعيد للحب شرعيته.
بين الإضاءة والتعتيم
منير العكش :- أذكر مرة أنك قلت : إن الغموض ضرورة للجمال. كيف توفق بين موقفك هذا ورغبتك فى إنهاء مرحلة السرية المفروضة على جسد المرأة العربية ؟
نزار قباني : - الحلم شيء ، والبوليسية شيء آخر . إنني مع الحلم وضد البوليسية في الحب وغير الحب . فمن المعروف أن الإضاءة المبالغ فيها تقتل الحلم . وهذا قانون يطبق على الحب كما يطبق على الجنس . ولكي يطول عمر الحب ، ولكى يبقى الجنس في حالة توقد ، لابد أن تبقى المرأة فى منطقة وسطى بين الإضاءة والتعتيم.
المهم فى الشعر والحب والجنس أن لا تتحول الأشياء على راحتنا إلى رماد . والفم الذي لم نكتشفه بعد يبقى أجمل من الفم الذي اكتشفناه. والمرأة التي أعطتنا وعداً ولم تجىء أجمل بكثير من المرأة التي أعطتنا وعداً وجاءت . المهم أن نكون دائماً على أرض التوقع ، وانتظار ما لا يـُـنتظر.
المرأة التي لم تحضر
منير العكش : - لماذا لا تطلب الشعر أيضاً من أرض التوقع والإحتمال ، كما تطلب المرأة ؟
نزار قباني : - على المقياس نفسه ، أقول لك: إن القصيدة المكتوبة عندي ، هي امرأة جاءت ، والقصيدة التي أنتظرها هي المرأة التي لم تحضر بعد.
فقدان الذاكرة
منير العكش: - وهل تكتب ديواناً كاملاً من أجل أن تضع للناس معادلات في العشق ؟
نزار قباني : - الناس هم البداية والنهاية في كل كلمة تـُـطرح على الورق . إنهم شعبي ورعيتي . وأنا لا أستطيع أن أحكم في جزيرة من الأشباح . إنهم المرآة التي أرى فيها أبعاد وجهي . وأنا بدون الآخرين لا وجه لي . القصيدة عندي قبلة ينفذها اثنان .. الشاعر وجمهوره . والشاعر الذي ينفي الآخرين من مملكته هو شاعر يحاول تقبيل نفسه.
انتزاع الحذاء الصيني
منير العكش : - معظم مجددي الحركة الشعرية توهموا أن النثر نهاية مطلقة وحتمية للشكل . هل تعتقد أن بإمكان الشكل تجاوز النثر ، وما مبرر كتابتك نثراً في (( مائة رسالة حب )) ؟
نزار قباني : - ليس عندي مثل هذا الوهم الذي تتحدث عنه ، ولا أعتبر أن النثر هو الشكل النهائي للشعر ، فأنا لا أؤمن أصلاً أن هناك نهايات مطلقة للشعر . كل ما أستطيع أن أقوله لك : إننا الآن نلعب بورقة الحرية ، ولا نعرف إلى أي مدى ستوصلنا اللعبة.
نحن مرهقون نتيجة عصور التخلف والانحطاط بتراكمات لغوية ، وقوالب من الأرابسك أصبحت تضغط على أفكارنا وأقدامنا وعواطفنا كالحذاء الصيني . وفى مثل هذه المرحلة الإنتقالية بين الجاهلية والحضارة يبدو النثر باباً وحيداً للخلاص ، لأننا نستطيع به أن نخرج من قارورة التاريخ الضيقة .
وفيما يتعلق بقولك إن النثر ، هو الآخر ، يصبح مع الزمن شكلاً ، فإنني أعتقد أن المبدعين الحقيقيين بتجاوزاتهم اليومية لأنفسهم يستطيعون أن يتجنبوا فخ الشكلية . أما بالنسبة لي فإنني منذ 1966 ، وعلى وجه التحديد ، منذ أن أصدرت مجموعتي الشعرية (( الرسم بالكلمات )) ، أدركت أنني أنهيت دورة شعرية كاملة ، وأن كل تحرك مني على المحور ذاته ، سيكون فيه مقتلي . لذلك بدأت أقلق ، وبدأت أخاف أن يسقط المسرح من تحتي ، وبدأت أبحث وأشتغل على معادلات شعرية جديدة تنقذني من قطار الشعر العثماني المتدهور.
أول محاولة للخروج من قطار الأشباح كانت (( كتاب الحب )) . وفيه حاولت أن أقص جميع النتوءات اللغوية في بلاغتنا العربية ، وكتابة قصيدة تكون خلاصة الخلاصة . والنقلة الثانية - وأنا بالطبع لا أعتبرها نهائية - كانت في (( مائة رسالة حب )) . وفيها تحولت الكلمة إلى فرس رفض سرجه وفارسه ، وانطلق في براري الشعر . ولقد اكتشفت خلال كتابة (( مائة رسالة حب )) معجزة العلاقات بين الكلمات ، ومعجزة اصطدامها ببعضها على الورق ، واكتشفت كيف تتحول الأبجدية بين يدي الشاعر إلى سمفونية لها ألوف المفاتيح الصوتية.
بصورة موجزة : إن يدي ، باستمرار ، موجودة في الصلصال الساخن ، وإنني أجد نفسي محاطاً بتحولات تاريخية وحضارية تدفعني إلى أن أغير جلدي القديم ، وأغير أصابعي إذا اقتضى الأمر ، وإلا سقطت تحت عجلات عربة التاريخ .
السفر من القاموس
منير العكش : - هل بدأت تغترب عن قاموسك القديم؟
نزار قباني : - لغتي الشعرية هي المفتاح الحقيقي لشعري وأهم منجزاتي . إنني سافرت من القاموس ، وأعلنت عصياني على مفرداته وأحكامه البوليسية . اللغة الأكاديمية زجاجة صمغ . أي أنها مادة شديدة الإلتصاق . والذين استسلموا لها من الشعراء غرقوا فى الصمغ ، أو صاروا صمغاً .
أنا منذ أولى خطواتي الشعرية تجنبت وعاء الغراء ، وتعاملت مع المفردات الموجودة على شفاه الناس . تعاملت مع الكلمات الساخنة والطازجة والمعجونة بلحم الناس وأعصابهم ووقائع حياتهم اليومية.
طبعاً ، لم أسقط القاموس كله من حسابي ، لأن اغتيال لغة بأكملها هو من نوع الجرائم المستحيلة . أنا قتلت من المفردات ما هو مقتول فعلاً ، أي المفردات التي تصلبت شرايينها ، وتخشبت مفاصلها ، ولم تعد قادرة على المشي أو على الكلام . من رحم الكلام اليومي تخرج القصائد ، وأية ولادة لا تحدث في هذا الرحم هي ولادة قيصرية . إننى ضد الولادات القيصرية في الشعر . ومهمتي كشاعر هي أن ألتقط الشعر من أفواه الناس ، وأعيده إليهم.
منير العكش :- هل تحس بأن صوت قصيدتك هو صورة مطابقة لتجربتها الداخلية ؟
نزار قباني : - كل لغة ، هي بحد ذاتها خيانة . والتجربة الشعرية بعد انتقالها إلى الورق أصغر بكثير من التجربة الداخلية التي يعيشها الشاعر . لذلك أشعر بخيبة أمل كبيرة أمام قصائدي المنتهية . ولكي أقدم لك صورة حسية عن هذا الفارق ، أقول: إن الفرق بين القصيدة قبل وبعد انتقالها إلى الورق هو الفرق بين القبلة والشفة ، بين الطعنة والخنجر ، بين السُـكـْر والنبيذ.
منير العكش: - كيف ينشأ إيقاع الربط بين الأصوات في شعرك ؟ هل تسمعه قبل ولادة القصيدة ؟
نزار قباني : - الإيقاع من حيث التوقيت متقدم زمنياً . إنه الملك الذى يمشي أولاً ، ومن ورائه تمشي اللغة كوصيفة ثانية .
القصيدة تبدأ عندي بهذيان موسيقي ، بغمغمة ، بكلام لا كلام له . ثم تأتي اللغة لتنظم هذا الهذيان وتحتويه وتحبسه .. في داخل زجاجة المفردات.
شعري هو صورتي الفوتوغرافية
منير العكش :- برغم اعتقادي أنه ليس هناك مناخ نفسي جاهز لكل بحر ، وأن هذا المناخ يخلقه الشاعر نفسه ، فإنني سأنتقل إلى سؤالك عن حياتك الخاصة.
قبل أن يموت عمر بن أبي ربيعة أقسم أنه لم يحل تِـكـّـتـَه على حرام قط. هل هناك مثل هذه الغربة بين حياة نزار قباني وشعره ؟
نزار قباني : - لو كان هذا التصريح الخنفشاري لعمر صحيحاً ، لكانت شاعريته موضع شك كبير ، ولكان شعره مسلسلاً جيمس بوندياً كاذباً ، إننى أشك في الرواية والراوي ، وأعتبر هذه الوثيقة المزورة مؤامرة لفصل الشعر عن الشاعر .
بالنسبة لي لا انفصام بين التجربة والتعبير عنها . بين الفم والصوت . كل تفاصيل حياتي اليومية معجونة بالشعر . المكتب الذي أكتب عليه ، والورقة التي أسجل عليها شعري يجب أن تكون مساحة زرقاء أو وردية ، لأن حياد اللون الأبيض يقتلني . إن الكتابة على ورق أزرق أو أخضر يمنحني الإحساس بأنني أكتب على سماء صيفية ، أو على زرقة خليج ، أو على غيمة . أما الورق الأبيض فيوحى لي بأنني أكتب على جدار مقبرة كلسي . إن اللون الأبيض ضريحي . دار النشر التي أنشأتها حولت أثاثها وجدرانها إلى شعر . إنني حتى حين أعمل عملاً غير شعري أحس بحاجة إلى حد أدنى من الشعر ليكسر روتين النثر اليومي . فنجان القهوة الذي أشرب به ، منفضة الرماد التي أدفن فيها سجائري ، قماش المقعد الذي أجلس عليه ، اللوحات التشكيلية التي تواجهني على جدار مكتبي ، لا أعتبرها شؤوناً صغيرة ، فالشؤون الصغيرة عندي هي الشؤون الكبيرة.
في هذه المملكة أعيش وأكتب وأمطر . هذه هي الأرض التي أقف عليها ، وربما كان لبقية الشعراء أرضيات من نوع آخر يقفون عليها . كل ما يهمني أن أقوله : إن الشعر مشتبك بجزئيات حياتي اليومية ، وبكل تفاصيلها الصغيرة ، كما تشتبك خيوط كرة الصوف ببعضها في مخالب قطة المنزل .
إن حياتي وشعري ملتحمان كما اللحم بالعظم ، ولا يمكن فصلها إلا بالموت. حياتى كلها مصورة ومفرغة في هذا الإناء الذي هو شعري . إننى لم أترك تجربة واحدة من تجاربي ، مهما كانت صغيرة ، في العتمة . كل تجاربي أطلقتها كالعصافير في السماء ، ولم يبقَ عندي عصفور واحد محنط على جدران عالمي الداخلي .
شعري هو صورتي الفوتوغرافية الرسمية الموزعة على كل المدن وكل المخافر ، وهي التي تحمل علاماتي المميزة وخطوط بصماتي . كل الأشياء التي اصطدمت بها عينى وأحاسيسي خلال رحيلي الطويل في قارات العالم تتحرك وتتنفس في قصائدي . حياة السلك السياسي لعبت ورقة حاسمة في حياتي وفى فني ، لقد أغنت شعري وأغنت قاموسي الجمالي.
الشعر لا يتجه إلى آينشتاين..
منير العكش : - لكنها لم تستطع أن تنقلك خارج حدود قارئك المعتاد. هل تحس بأن لجمهورك هوية معينة تريد تجاوزها ؟
نزار قباني : - لا أفهم ما تقصده ( بالقارىء المعتاد ) . هناك قارىء واحد فقط ، يقبلك أو يرفضك ، يتحمس لك أو يدير ظهره إليك ، يشعر بأنك تنطق بلسانه ، أو تغشه وتحتال عليه. المهم أن تستطيع فتح حوار ناجح معه .. وأن يكون لك القدرة على الاستمرار .
أنا شخصياً فتحت مثل هذا الحوار ثلاثين عاماً . أتى شعراء .. وذهب شعراء ، مات جمهور .. وولد جمهور .. إنحسرت ثقافة .. وجاءت ثقافة ، أفلست أيديولوجيات ، وانتصرت أيديولوجيات .. سقطت مدارس شعرية ، وازدهرت مدارس شعرية .. ولا يزال حواري مع الجمهور حاراً ، وموصولاً ..
وتسألني ، ما هي هوية جمهورك ؟ ما عمره ؟ ما ملامحه ؟ ما ثقافته ؟ ما هي الشهادات التي يحملها ؟
الشعر لا يتجه أصلاً إلى أينشتاين . إنه يتجه إلى الأبرياء ، يعني إلى كل أولئك الذين إذا لم يجدوا ثوباً يلبسونه .. لبسوا قصيدة.
وأنا حين أقرأ شعري للجمهور ، لا أطلب منه قبل أن يدخل القاعة ، أن يقدم لي نسخة مصدقة عن شهاداته ودرجاته العلمية .
وإذا كان في تصورك أنني أتوجه لجمهور تجمعه المراهقة والثقافة الصغيرة ، فلقد كان الشعب الروسي فى بداية الثورة كذلك ، ولكن هذا لم يقطع لسان بوشكين وماياكوفسكي .
لو كنتُ أستطيع أن أستورد شعباً عربياً آخر تكون له ثقافة برغسون وبروست واندره مالرو لفعلت ، ولكن الشعب العربي هو قدري ، لأنني ورثته كما هو .. بكل طيبة قلبه ، وسوء حظه ، وثقافته الصغيرة ، وعبادته للشعر.
ولأن الشعب العربي هو قدري ، عليَّ أن أكون معه ، وأشعر معه ، وأكتب له. أما أن أنتظر حتى تصير ثقافة شعب أبو ظبي ثقافة هارفردية .. فهذا في نظري تواطؤ على الشعر ، وعلى التاريخ وعلى الحقيقة .
لقد استمع إليَّ فى السودان عشرة آلاف إنسان ، كانوا يتدلون كعناقيد العنب الأسود .. من أغصان الشجر .. فهل كنت تريدني أن أطردهم لأنهم كانوا يلبسون الجلابيات البيضاء .
وفي العراق ، والمغرب ، وتونس ، وليبيا ، والكويت ، والأردن ، وسورية ، ولبنان ، تكررت هذه الظاهرة .. وحين تتكرر الظاهرة تصبح قانوناً طبيعياً كارتفاع سنابل القمح ، وهبوب الرياح ، وسقوط المطر.
ثم من هم المثقفون الذين تريد أن يتجه إليهم الشعر؟ هل هم الخريجون من أطباء ، ومهندسين ، ومدراء بنوك ، وأصحاب شركات ، ومقاولين ، ووزراء ، ومديرين ، وموظفين؟
لقد أثبتت إحصاءات توزيع الكتب ، أن جميع من ذكرت ، لا يقرأون كتاباً ، ولا يزورون مكتبة ، وأن سقف ثقافتهم هو جريدتهم اليومية ، والمسلسلات التلفزيونية.
والمحاضرات الثقافية ، والكراسي الفارغة المتململة من يملؤها .. سوى الطلاب و ( الدراويش ) من أصحاب الثقافة الصغيرة .
نعم .. هؤلاء هم مستهلكو الشعر الحقيقيون .. أما ما عداهم فواجهات ثقافية .. ليس فيها أية بضاعة ..
منير العكش : - هل تعتقد أن على الثورة العربية أن تكون ثورة جنسية ؟
نزار قباني : الثورة العربية يجب أن تضع في حسابها تغيير الجسد والفكر معاً ، أي تغير الإناء والمحتوى ، وأي ثورة تهتم بالفكر دون الجسد هي نصف ثورة .
إن الجسد هو آلة التنفيذ ، وإذا لم تنتظم دورة هذه الآلة ، كان مردودها صفراً . إن الثورة الصينية ، مثلاً ، قضت نهائياً على مبدأ التسري Concubinage فلم يعد في صين ماوتسي تونغ أنثى يبيعها أبوها لنخاس فى هونغ كونغ . واستؤصلت تماماً عادة وضع أقدام البنات في قوالب معدنية ، حتى تبقى عاجزة عن الحركة إلا داخل حجرات المنزل.
إن معجزة الثورة الصينية أنها أنهت التعامل نهائياً مع بوذا وكونفوشيوس ، واعتمدت ماركس ناطقاً رسمياً باسمها ، ولم تعد أرواح الأجداد تسكن في عقل الصين الحديثة.
أما ثوراتنا ، فإنها رغم كل شعارات التحرير التي تطرحها ، وكل المبادئ الماركسية التي تهتدي بها ، تجنبت مشكلة الجنس ، نظراً لحساسيتها المفرطة وجذورها الدينية . ووقعت بسبب ذلك في تناقضات مضحكة . إن نظرة الانقلابيين العرب إلى المرأة ، لا تختلف من حيث الأساس والنوعية عن نظرة الأنظمة المقلوبة . وبالتالي ، لم يقدم لنا اليسار نظرة ثورية في المرأة تختلف عن نظرة الإخوان المسلمين.
إننا نتحدث عن الماركسية ، ولا يزال السيد البدوي يزورنا في الليل بلحيته وجبته الخضراء ، ويعلق فى رقابنا تمائمه وحجاباته ، ويقنعنا بكراماته.
منير العكش : - كيف تفهم الثورة ؟
نزار قباني : - الثورة هي أن نغير جغرافية الإنسان العربي بكاملها ، ونعيد تأليفه من جديد . إن العقل العربي فى أزمة ، لأنه توقف عن الفعل والإنفعال . فهو أشبه بلوحة مكتوبة بالخط الكوفي سئمت نفسها . ومطلوب من الثوريين العرب أن يكتبوا كلاماً جديداً .. على ورق جديد ، لأن الكلام القديم انفصل تماماً عن دلالاته ورموزه.
منير العكش : - ولكن من أين نبدأ ؟
نزار قباني : - من الأجنة نبدأ ، من الأطفال نبدأ ، من الأفكار التي لا أفكار لها ، من الأشكال التي لا أشكال لها ، من كل الأنقياء الذين لم يتسمموا بعد بمواعظنا وأقوالنا المأثورة ، من كل الأبرياء الذين لم تأخذ جماجمهم شكلاً نهائياً ، وظهورهم شكلاً محدودباً .
على الفكر الثوري ، لكي يستحق اسمه ، أن يتقدم كجرّافة البولدوزر لرفع الأنقاض والنفايات والمسامير المتراكمة على أرض هذه المنطقة منذ عصور الإنحطاط . والشمولية هي الشرط الأول للعمل الثوري . فالثورات لا تكون بالتقسيط . إن التفجير الثوري كالتفجير النووي يجب أن يتم بصورة آنية وشاملة ، وإلا تحولت الثورة إلى نوع آخر من أنواع البروقراطية ، وصارت بارودة عثمانية عتيقة تطلق الرصاص بالتقسيط ، وتقتل بالتقسيط .
الكتابة حليفة الثورة
منير العكش : - وثورة الكتابة والإبداع ؟
نزار قباني : - الكتابة الثائرة يصنعها إنسان ثائر . ففعل الكتابة ، وفعل الثورة متلازمان . وإذا كان الإنسان العربي هو الموضوع الرئيسي لكل نظام ثوري يقوم في هذه المنطقة فلا بد من إيجاد صيغة جديدة .. لمخاطبته . إن منطق ( ألفية ابن مالك ) و ( مقامات الحريري ) تجاوزه التاريخ ، ولم يعد صالحاً لإقامة أي حوار.
وعمل الثورات العربية التي انفجرت والتي ستنفجر ، أن تجعل الكتابة جزءاً منها ، وأن تعتبرها حليفتها وشريكتها في فعل التغيير . وأي تصادم بين الثورة والكتابة ، كما يجري الآن في بعض الأنظمة الثورية العربية ، سيحمل حتف الاثنتين معاً .
منير العكش : -هناك معيار آخر اجتماعي ينظر إلى الشعر من خلال صدوره أو توجهه إلى الطبقة . هل ينقسم الشعر على نفسه طبقياً ؟
نزار قباني : - ليس للشعر سوى طبقة واحدة هي التى تسمعه وتقرؤه وتنفعل به . إن الشعر ليس قطاراً تنفصل فيه الدرجة الأولى عن الدرجة الثانية ، عن الدرجة (التيرسو) .. فكل من يركبون قطار الشعر يجلسون على ذات المقاعد ، ويتمتعون بذات الامتيازات . وأنا كشاعر ، أقف فى صفوف البروليتاريا الشعرية ، أي في صفوف الناس حيث كانوا .. ومهما كانوا
مجلة مواقف بيروت 1 - 1 - 1972م
نزار قبّاني..شاعر ظل يرسم عالمه والحياة بالكلمات
أ.د. سيار الجميل
الشاعر نزار قباني الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في النصف الثاني من القرن العشرين .. ولم تزل اشعاره ورسومه وصوره والوانه تنتشر في كل مكان من ثقافتنا العربية وقد نقلها جيل الى جيل . نعم ، لقد كان نزار قباني قد رحل فجأة وهو يقيم في لندن يوم 30 نيسان 1998 ..
واذا كان نزار قد رحل رحلة نهائية ، فان تراثه الادبي سيبقى الى جانب تاريخه الادبي والفكري على طول الزمن . ويسرني بهذه " المناسبة " ان استعير من كتابي ( نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية ) الفصلة من ذكرياتي عن نزار قباني وقد كنت قد اسميته : شاعر الرسم بالكلمات الرائعة . لقد كتبت اقول عنه :
لقد خلق نزار قباني على امتداد حياته المليئة بالتناقضات جملة من الأزمات الفكرية والأدبية .. انه المعبر الحقيقي عن تناقضات خطاب العرب في النصف الثاني من القرن العشرين . انه الشاعر الذي نسف بكل جرأة وشجاعة جملة من البنى التقليدية التي ألفها الناس في تفكيرهم وتقاليدهم الاجتماعية منذ أزمان طويلة .. كان شاعرنا حرا ومتمردا في ما يقوله بشأن أهم ما شغل البال العربي ، والتفكير ، والجوارح ، والمشاعر والأحاسيس .. من جانب وكل المحرمات والمنكرات والحلال والحرام من جانب آخر .. موضوع المرأة الذي وجد نزار فيه ضالته ، واعتبره الاهم في هذا الوجود ! لم يقدم نزار المرأة باعتبارها إنسان مثل أصناف البشر ، بل ليعرضها في فاترينة ويبقى يجملها بالمساحيق والألوان وينادي الآخرين إليها مع كل أوصافه الرائعة فيها والتلذذ بما يطلقه من تعابير عن جسدها .. مستلهما كل تراثات أسواق النخاسة التي كانت مزدحمة ورائجة البضاعة في ماضينا المتعب !
انني اعترف أن للرجل شاعريته التي لا يختلف حولها اثنان ، وعندما يسمعه الناس تطرب أسماعهم وتهفو قلوبهم ، خصوصا ، وانه امتلك قدرة رائعة في الإلقاء الشعري الذي يأسر القلوب ! إنني لا أريد أن أكون ضد الرجل وقد غاب عنا ، فلقد حكيت له كيف اقيم له تفكيره ! صحيح انه جادلني في البداية ، ولكنه بدأ يحترم آرائي لأنه عرف إنني من المؤمنين بحرية الإنسان وتنمية قدراته وتفكيره واستقلالية إرادته . وكان نزار ينتشي جدا عندما يسمونه بـ " شاعر المرأة " . والحق يقال ، بأن نزارا في قصائده الوطنية وأنشوداته القومية ومواقفه النقدية الساخرة وفي العديد من مقالاته التي نشرها في سنواته الاخيرة في ركن من جريدة الحياة المعروفة ، كان مثالا للمثقف العاشق ليس للمرأة حسب ، بل لترابه واوطانه لولا جملة التناقضات التي وقع فيها كأي شاعر عربي متمرد في هذا الوجود.
كلمات عن تكوين نزار وحياته
ولد نزار بن توفيق قباني آقبيق في 21 / 3/1923 في عائلة متوسطة الحال ـ حسب قوله ـ ، وفي بيت عادي يقع في حي مئذنة الشحم في القيمرية بدمشق ، ونشأ فيها :ان أبوه يصنع الحلويات ويعتاش منها .. ويقال ان عمه هو الفنان ابو خليل القباني رائد المسرح السوري الحديث ، ولما لم اكن متأكدا من ذلك فلقد سألت نزارا عن صلته به ، فاجابني بأن أبا خليل القباني. هو عم والدتي و شقيق جد والدي.. تخرج نزار في الجامعة السورية بشهادة في الحقوق العام 1944، ولكنه لم يمارس القانون ولا المحاماة ولا القضاء ، بل خدم في السلك الدبلوماسي السوري للفترة 1945-1966.. وتنقل ما بين القاهرة ، وأنقرة ، ومدريد ، وبكين .. كتب الشعر منذ مطلع شبابه مذ درس في الكلية العلمية الوطنية بدمشق وفيها التقى استاذه خليل مردم بك الذي أخذ بيده ودفعه وشجعه ونشر ديوانه الاول " قالت لي السمراء " على نفقته الخاصة وهو طالب في الحقوق.. وخرج عن التقاليد والاطواق متمردا عليها ، اذ ثار عليه بعض رجال الدين وطالبوا بقتله عام 1945 اثر نشره قصيدة ( خبز وحشيش وقمر ).. استقر في بيروت بعد ان آثر الشعر وترك الوظيفة التي قيدته لسنوات طوال تقدر بقرابة عشرين سنة .. اصدر عدة دواوين تصل الى 35 ديوانا كتبها على مدى نصف قرن ، وله عدة كتب نثرية . أسس دار نشر لأعماله في بيروت تحمل اسم منشوراته. غنى المطربون عدد من قصائده ، ومنهم: ام كلثوم ونجاة وعبد الحليم وفايزة وفيروز وكاظم وماجدة وأصالة وغيرهم . حكى لي انه كان يزور العراق دوما ويلتقي فيه بأبرز المثقفين والادباء العراقيين .. وفي بغداد التقى الآنسة بلقيس الراوي وتحابا الى حد العشق ، ولكن اهلها منعوا زواجهما ، فافترقا وتزوج للمرة الاولى زوجته الاولى ، وهي ابنة عمه زهراء آقبيق التي رحلت عنه ، وله منها ولد وبنت ، توفي الولد توفيق وهو شاب في مقتبل العمر عندما كان يدرس الطب بالقاهرة .. وشاءت الصدف ان يلتقي بلقيس ثانية بعد سنوات فتحقق حلمهما وتزوجا وعاشا معا ، وله منها ولد وبنت ، وجاء مصرعها عام 1982 اثر تفجير السفارة العراقية ببيروت وكانت تعمل فيها ، فكان ذلك صدمة عنيفة عنده وآثر التنقل في باريس وجنيف واستقر في لندن التي عاش فيها الاعوام الخمسة عشر الاخيرة من حياته... لقد تلقى نزار عدة صدمات قوية في حياته الخاصة ، منها رحيل والدته وهو طفلها المدلل ، ووفاة اخته وصال بمرض القلب ، وانتحار اخته هدباء التي زوجوها برجل لا تحبه ، ومصرع ولده الشاب توفيق ، ورحيل زوجته الاولى ابنة عمه على اثر مرض .. ومقتل زوجته الثانية بلقيس ..كما وشكلت السنوات الاخيرة من حياته صخبا من المعارك والجدل والقصائد السياسية الساخنة وخصوصا في عقد التسعينات من القرن العشرين. وقد قاوم مشروعات السلام والتطبيع مع اسرائيل وعبر عن ذلك في قصائده الشهيرة: المهرولون ، والمتنبي ، ومتى يعلنون وفاة العرب .. الخ . توفي في لندن يوم 30 /4/ 1998 ودفن في دمشق وترك اشعاره يرددها الناس.
كيف عرفت نزارا ؟
كنا ثلة من المراهقين في أروقة الاعدادية ( متوسطة المثنى ) بمدينة الموصل. شباب عند مطلع حياتهم لا يهجعون ولا يهدأون ابدا لا في الليل ولا في النهار ، ونحن في مرحلة حساسة وحرجة جدا في اواسط عقد الستينيات . كنا نقرأ الكتب في الليل ونطالع المجلات ونكتب الاشعار في اويقات النهار .. لم اكتشف نزار في مكتبة بيتنا الغنية والمكتنزة برغم محبة اسرتنا للشعر والشعراء ، ولكنني اكتشفت نزارا من خلال ديوانه " الرسم بالكلمات " الذي كان مدرسنا في الجغرافية واسمه الاستاذ طارق فضل قد حمله معه يوما ، وكان يعشق نزار وأشعاره على عكس استاذنا في العربية الاستاذ عبد النافع الحكيم المشهور بسيدارته العراقية وهو يتأبط قاموسه كل الاوقات ، ومن كثرة اعتزازه بالقاموس دعونا بـ " قاموس افندي " !.. تذكرت قصيدة " أيظن " التي يقدمها نزار بنفسه تلفزيونيا ويقرأها قبل ان تشدوها المطربة نجاة الصغيرة على شاشة التلفزيون بالأبيض والأسود ! بدأت اهتم شيئا فشيئا بأشعار نزار.. كنت أخشى من والدي ـ رحمه الله ـ أن يعنفني إذا ما اكتشف أنني اقرأ مثل تلك الأشعار! ولكنه لم يقل شيئا لي عندما اكتشف ذلك ، وكان رجلا مثقفا ومستنيرا وانه رسم ابتسامة خفيفة على محياه ، وقال : لابد أن تقرأ المعاني وتتحسسها قبل أن تنعشك الألفاظ الجميلة . وبالرغم من كونه من رجال القانون الا انه يعشق الشعر وله باع كبير في نقد الشعر على القواعد النقدية العربية القديمة التي أسسها كل من عبد القاهر الجرجاني والآمدي وابن الاثير .. وغيرهم . وفي الثانوية الشرقية وكنت في الخامس والسادس الثانوي ، نجحت رفقة الصديق القاص عبود عبد الله بكر ( استشهد في الحرب العراقية الايرانية عام 1982 ) ان نؤسس صحيفة أدبية اسبوعية جدارية اسميناها بـ " الاصداء " ترأست تحريرها عام 1969 ، وكنت اكتب افتتاحيتها اسبوعيا ، واصدرنا عدة اعداد منها ، ولكن الاوامر صدرت باغلاقها كوننا نشرنا قصيدة سياسية ساخنة ينتقد فيها العرب في هزيمتهم نقدا مبرحا ، وكانت للشاعر نزار قباني ( هوامش على دفتر النكسة ) .
نزار : ثورة التناقض في التغيير
لقد كانت الحياة العربية قبل هزيمة يونيو / حزيران 1967 بسنوات مفعمة بالروح القومية الوقادة وذكر الأمجاد ، وترديد الشعارات ، واذاعة الاغنيات الحماسية ، والهوس السياسي ، وحمأة الأيديولوجيات ، وسماع الخطابات .. وبنفس الوقت ، كان المجتمع العربي يعتز بنخبه المثقفة ومبدعيه وكانت الاستنارة في الفن والادب قد وصلت الى اعلى مداها عند العرب .. وبرز عند منتصف القرن العشرين وبعد الحرب العالمية الثانية نخبة عربية رائعة من الشعراء والفنانين والادباء المثقفين وقد شغلتهم السياسة والايديولوجيات الثورية والقومية والنضال والاشتراكية .. ، ولم يكن لنزار في ذلك كله أي نصيب يذكر ، كما اذكر ، كانت المرأة شغله الشاغل يتفنن في توصيفاتها ويتخيلها كما يريد له خياله ويصورها كما يجمح به فكره وخياله .. كان نزار يتلذذ بمشاهد خصرها وسيقانها ونهودها وأظافرها وخصلات شعرها .. التي يخلقها ويجسمها تعبيريا برسم كلماته جميعها للناس ، ويجلس يترقب ردود افعالهم على نصوصه واشعاره .. وكان ذكيا جدا في استخدام الألفاظ البسيطة جدا في خطابه الشعري الذي يدخل النفس مباشرة من دون أية تعقيدات ، ونجح في تضمين كلمات عادية يومية يستخدمها الناس صباح مساء ..
واستطيع القول ، ان نزارا يتميز بقاموسه الشعري وتعابيره التي انفرد بها عن الاخرين .. ولكن بقي الرجل محافظا على التفعيلة الشعرية، وقد اغرم بموسيقى بعض الكلمات والتعابير التي كانت تثير الأحاسيس وتسخن العواطف .. لقد وجد في البيئة الاجتماعية العربية المكبوتة الى حد النخاع فرصته التي يستطيع اللعب فيها لعباته العاطفية بكل جرأة وشجاعة وقد ساعدته ظروف تلك المرحلة على استخدام كل التعابير في الجنس والجسد والشهوات ووصف حتى ركامات الحلمات .. ولكنه اضطر الى تغيير جملة كبرى من الفاظه وتعابيره في العشرين سنة الاخيرة من القرن العشرين بسبب تغير الظروف في المجتمع العربي تغييرا كاملا اولا ، وبسبب فقدانه بلقيس في رحيلها الذي قض مضجعه!
عن كتاب رجال ونسوة عرفتهم
رحلة قصيرة مع الشاعر الراحل نزار قباني
جعفر المهاجر
الشعر الحقيقي الذي يخلد صاحبه لابد أن يغور في داخل الأنسان ويعبر عن خلجاته بكل أخفاقاتها ونجاحاتها وسعيه الدائم للوصول الى عالم تسوده قيم الخير والمحبة والجمال. وعندما يختط الشاعر هذا المسار يجب عليه أولا أن يعيش واقع مجتمعه ويعيش طموحاته وآلامه وآماله بكل دقائقها لكي لايأتي شعره عبارة عن عبارات لفظية مبهمة تأتي وتذهب
ولا تترك في نفس المتلقي أثرا يذكر بحجة (تفجير اللغة من الداخل ) و( الحداثة )والحقيقة ليست الا تهويمات ورموز واشارات وطلاسم بعيدة عن أية دلالة رمزية شفافة وتنقل متلقي الشعر ألى بئر عميقة مظلمة خالية من أية نقطة ضوء تدل على الرمز المقصود وهذا مانراه ونقرأه في الكثير من القصائد في هذا الزمن .
لقد خطرت على بالي هذه المقدمه عندما كنت أقرأ بعض أشعار الشاعر الراحل نزار قباني الذي ابتعد عن هذا المسار وكتب جل قصائده بعيدا عن التعقيد والغموض ومن خلال( السهل الممتنع) الذي كتبت به قصائده كون له جمهورا واسعا على مستوى الوطن العربي وخاصة في قصائده السياسية من خلال مقولته ( لو لم أكن ملتصقا بواقعي لآختفيت من خريطة الشعر من زمان بعيد ) وغالبا مايقترن أسم نزار قباني بأنه (شاعر المرأة ) نظرا للكم الهائل من القصائد التي كتبها عن المرأة ويتوهم الكثيرون بأنه تناول المرأة جسدا فقط واتهم بأنه ( متهتك ) في بعض قصائده الغزلية . ورغم صحة هذه المقولة أحيانا ورغم كل ماقيل في هذا المضمار علينا أن لانغفل أن نزار قباني تناول أيضا في الكثير من الشعر الذي تركه عالمها الأنساني والقيمي والروحي وعندما يطلب الحرية للمرأه والوطن والكلمة فأنه يطلبها بمفهومها الشمولي والمطلق من خلال قوله ( الحرية التي أطلبها للمرأه هي ممارسة خياراتها وأنسانيتها وتركها في مواجهة أنسانيتها دون أن يقطع رأسها وترمى في صندوق الزباله ) ونحن متذوقون لايمكننا أن نقولب الشاعر وفق مفاهيمنا ومعطياتنا الخاصة بنا ولا يمكننا محاكمته على تلك القصائد الغزلية التي تضمنتها دواوينه رغم اختلافنا معه وتعارض أفكارنا مع أفكاره وعلينا أن لانجلد الشاعر الكبير نزار قباني لقصائده الغزلية التي كتبها في فترة معينة من عمره الشعري ونركز عليها فقط ونقول هذا ماكتبه الشاعر وأن ننسى الغزل الذي كان غرضا من من أغراض الشعر الرئيسية في الشعر العربي وكل شاعر له حججه وأفكاره ومفاهيمه التي ينظر بها ألى هذا الموضوع . ولست في موقع يؤهلني لتصيد هفوات الشاعر الكبير نزار قباني وهو في العالم الآخر. أن الشاعر نزار قباني شاعر كبير ولد من رحم أمته وغاص في أعماق الشعر واستخرج منه دررا ثمينة تركت بصمات واضحة على الخريطة الشعرية في الوطن العربي فهو لم يكن شاعرا عبثيا كما صوره بعض النقاد وهو لم يكن في يوم من الأيام بعيدا عن هموم أمته وتأريخها وأرهاصاتها وتطلعاتها وما تعرضت له من ويلات على أيدي الغزاة والحكام المستبدين الذين تعاقبوا عليها ويحكمونها بقوة السيف والجندرمة ألى يومنا هذا . يقول نزار في أحدى قصائده : جئتكم من تأريخ الوردة الدمشقية التي تختصر تأريخ العطر ومن ذاكرة المتنبي التي تختصر تأريخ الشعر جئتكم من أزهار النارنج والأضاليا والنرجس والشاب الظريف التي علمتني أول الرسم جئتكم من ضحكة النساء الشاميات التي علمتني أول الموسيقى وأول المراهقة ومن مزاريب حاراتنا التي علمتني أول البكاء ومن سجادة صلاة أمي التي علمتني أول الطريق ألى الله ألى أن يقول : في قلبي شيء من أحزان أبي وفي عيني قبس من حرائق ديك الجن الحمصي . أذن هو أبن بيئته التي تنسم عبير أزهارها الشامية الفواحه وترعرع في تربتها المليئة بالخصب والنماء والأنبهار والعنفوان والتأريخ الحافل بالشعراء والقصص الأنسانية والحكايات الشعبية . لقد كتب نزار قباني قصائد سياسية ووطنية متميزة تركت صدى واسعا وأعجابا منقطع النظير تداولتها ملايين الألسن المصادرة في الوطن العربي لأنها وجدت فيها التعبير الحقيقي عن واقعها المزري المعاش . وكانت تلك القصائد الوطنية السياسية كالسياط الحارقة التي ألهبت ظهور الطغاة والجلادين الذين وجدوا فيها تحريضا للجماهير المضطهدة في أوطانها للخروج من حالة الظلمة والقهر التي تعصف بها من قبل أصنامها التي لا هم لها سوى التسلط بالقوة والبطش على رقاب الملايين . يقول نزار في أحدى مقالاته :( أن الشعب العربي خارج لتوه من سراديب التخلف والسحر والشعوذة . وعلى الشاعر العربي في نظري أن يساعد على اضاءة الطريق وجعل الشعر شمسا تشرق على كل الضائعين والخائفين والمستلبين والمعذبين في الأرض ) .ويقول أيضا في أحدى مقابلاته :
(كنت أبحث عن الأنسان بصرف النظر عن لونه وجنسه أو غناه أو فقره أو موقعه الأجتماعي وكل شعر لايتجه ألى الأنسان ولا يصب فيه هو شعر عبثي وهامش الأنسان هو محور هذا العالم وهو القضية الكبرى التي تستحق النضال من أجلها والكتابة عنها). ولا شك أن الأنسان العربي في طليعة المقهورين في العالم وهو منذ قرون مستلب الأرادة ، مهدور الكرامة ، تتعقبه عيون العسس في كل شبر من وطنه والخروج على الحاكم هو خروج عن طاعة الله انطلاقا من الآية الكريمة التي يسخرها السلطان وأعوانه لصالح بقائهم جاثمين كالكوابيس على صدور شعوبهم حيث يفسرونها حسب أهوائهم ظلما وعدوانا على كتاب الله وهي بسم الله الرحمن الرحيم : (وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم ) ومن خلال هذا الكلام كتب نزار قباني قصائد متأججة ترفض الظلم والقهر وأدان مايقوم به سلاطين القمع وأصنام الجبروت من خلال قصائد كثيرة منها :
(السيرة الذاتية لسياف عربي ) ويقال أنه كفر عن خطيئته بمقابلة الطاغية ( صدام حسين ) في هذه القصيده بعد أن اتضحت له الحقيقة البشعة لصدام حسين بعد أن خدع بوسائل دعايته المضللة.
وقصيدة ( أحمر أحمر أحمر ) وقصيدة ( أبو جهل يشتري فليت ستريت ) وقصيدة (تقرير سري جدا من بلاد قمعستان ) وقصيدة (لماذا يسقط متعب بن تعبان في امتحان حقوق الأنسان ) و (هوامش على دفتر الهزيمة ) و(قراءة ثانية لمقدمة ابن خلدون ) وغيرها وكل تلك القصائد كانت صرخة مدوية في وجوه الحكام العرب الذين تسلطوا على شعوبهم دون وجه حق وعضوا على كراسيهم بالنواجذ ألى آخر نفس . أن القاسم المشترك بين هذه القصائد هي أنها تعبربطريقة السهل الممتنع عن مأساة هذا الشرق العربي الذي أصبح سجنا كبيرا لشعوبه المقهوره التي تحكمها هذه الأصنام وتطالبها بالجلوس على رصيف الصبر ألى مالانهايه لتسبح بحمدها لأنها مانحة البركات وسبل الحياة وللشعوب الشرف بأن تتغنى باسمها الأعلى ومقامها الأسمى تحت شعار (مليكنا - رئيسنا ياصاحب الجبين الوضاح .. ياوجه السنا والصباح .. سنظل ألى الأبد نفديك بالأرواح .. لأنك الأول والآخر والأنقى والأطهر ولا يوجد أحد في هذه الدنيا يجاريك في عفوك وحلمك وعطفك ومروءتك وسنظل بعدك لاسمح الله كالأيتام في مأدبة اللئام وسيكون مصيرنا الهلاك أن غبت عنا فنحن متمسكون بأذيالك ألى الأبد ياسيد الدنيا ).
فتطرب له أسماع الحاكم الصنم وتزغرد له أجهزته الدعائية ليل نهار كما نشهده اليوم . يقول نزار في قصيدة ( السيرة الذاتية لسياف عربي ) عن لسان الحاكم : أيها الناس لقد أصبحت سلطانا عليكم فاكسروا أصنامكم بعد ضلال واعبدوني أنني لاأتجلى دائما فاجلسوا فوق رصيف الصبر حتى تبصروني أتركوا أطفالكم من غير خبز واتركوا نسوانكم من غير بعل واتبعوني أحمدوا الله على نعمته فلقد أرسلني كي أكتب التأريخ والتأريخ لايكتب بدوني أنني يوسف في الحسن ولم يخلق الخالق شعرا ذهبيا مثل شعري وجبينا نبويا كجبيني .
أنها قصيدة تضج بالمرارة والألم والغضب من هذا الصنم الذي استولى على كل شيء وصادر كل شيء وهذا هو الواقع الذي يعيشه هذا الوطن العربي المنكوب بأصنامه التي خالفت كل شرائع السماء والأرض في تسلطها وجبروتها وطغيانها وبهذه البساطة الشعرية المتميزة عبر نزار قباني عما تعانيه الشعوب المقهورة من عسف وظلم وأذلال على أيدي هؤلاء الحكام وأعوانهم وحاشيتهم . ويقول نزار عن البساطة الشعرية التي اتبعها في قصائده:
(لن أضع الغليون في حلقي وأستعمل مصطلحات النقد الحديث لأثبت لكم أنني مثقف كبير والثقافة لاتتناقض مع بساطة التعبير والبساطة لاتعني أن تكون بهلولا أو سطحيا أو أميا فبأمكانك أن تكون بسيطا وجميلا في نفس الوقت أنا شاعر بسيط أقولها بكل قوة لأنني أعتبر البساطة مصدر قوتي منذ عام 1944 وأنا أشتغل على معادلة لتحويل الشعر العربي ألى قماش يلبسه الجميع وشاطئ شعبي يرتاده الجميع وقد نجحت .
ومنذ عام 44 حلفت أن لايبقى مواطن واحد في الوطن العربي يكره الشعر أو يستثقل دمه أو يهرب من سماعه أو قراءته وانتصرت . ويمكنني أن أدعي أن نزار قباني تعلم أن يقول شعرا للناس بدون وسطاء أو مترجمي طلاسم فدخل قلوب الناس لبساطته وعمقه في آن واحد فانهمر كما ينهمر المطر في الأرض العطشى . ولا يمكنني أن أنسى ماكتبه نزار قباني في حق زوجته ( بلقيس ) حين سمع بمقتلها في حادث السفارة العراقية في بيروت عام 1881 واعتبرها الكثيرون من أجمل قصائد الرثاء في الشعر العربي حيث خصص لها كتابا خاصا وأسماه ( قصيدة بلقيس ) قال في بعض أبياتها : بلقيس .. كانت أجمل الملكات في تأريخ بابل بلقيس .. كانت أطول النخلات في أرض العراق كانت أذا تمشي .. ترافقها طواويس.. وتتبعها أيائل .. بلقيس .. ياوجعي .. وياوجع القصيدة حين تلمسها الأنامل هل ياترى .. من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل ؟
وله قصيدة أخرى في رثاء ابنه الشاب . وهي من قصائد الرثاء التي تضج بالألم والوجع الأبوي الحقيقي . أن الشعر الحقيقي قنديل أخضر لايعرف كسوفا ولا خسوفا أنه أبحار دائم في عالم الكون والحياة والأنسان وحين يحترق الشاعر به ويحوله ألى جمر متوهج يأتي شعره صادقا نقيا بعيدا عن التكلف والغموض والتعقيد وهذا مافعله بوشكين وأحمد شوقي وبابلو نيرودا ولوركا ووالت وايتمن وغوته ومايكوفسكي وأليوت وبدر شاكر السياب وخليل حاوي ومحمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل ومحمد الماغوط وأنسي الحاج ومحمد الفيتوري وأحمد عبد المعطي حجازي وفاضل العزاوي وجبرا ابراهيم جبرا وابراهيم ناجي ونازك الملائكة وبلند الحيري ومعين بسيسو ورشيد سليم الخوري وجبران خليل جبران وحافظ ابراهيم ومظفر النواب وعبد العزيز المقالح والقائمة طويلة وكل هؤلاء الشعراء رغم اختلاف مدارسهم وأساليبهم الشعرية ألا أنهم أبتعدوا عن قول الطلاسم والتعقيد والوحشي من الكلام الذي لاينفذ إلى أعماق المتلقي مهما امتلك من المعرفة والثقافة والأطلاع على المدارس الشعرية المختلفة وأحدهم الدكتور صلاح عدس الذي درس الأدبين العربي والغربي وهاجم مايقوله أكثر شعراء الغموض والأبهام الذي لاطعم فيه ولا لون ولا رائحه وكما قال عنه أحد الشعراء:
عجبت لقوم جددوا الشعر ضلة فجاءوا بشعر سائب متناثر تجافوا به عن كل معنى وفكرة كأن المعاني حجبت بستائر ويصغي أليهم سامع الشعر قائلا أذلك شعر أم تعازيم ساحر ؟ رحم الله الشاعر نزار قباني الذي لم يكن من هؤلاء البعيدين كل البعد عن جمال اللغة العربية وأساليبها الفنية الرفيعه بل غاص فيها واستخرج منها لآلئ خالدة .
ويبقى الشاعر نزار قباني مثار نقاش وجدل الكثيرين بعد وفاته لما يحسب له أو عليه وما قاله من شعر على مدى نصف قرن من الزمن.
نزار قباني
قاسم حداد
تعرف أنك ستموت، لكن حين يحدث ذلك يكون مفاجئا ، ولحسن الحظ إنك ساعتها لا تكون موجودا . وحين يحدث ذلك، خصوصا ، لشخص تحبه، يكون الحدث بمثابة الصاعقة، لكونك موجودا خارج الحدث، ومتلقيا هشا له. لذلك أشعر بأن الموت هو قدر غير عادل، خصوصا إذا وقع على الشعراء. يمكننا تفهم الموت حين يحدث للبشر العاديين، لكن أن ينال شاعرا ،
فهذا ضرب من العبث الذي يتوجب ... عدم تأمله. وفي هذا ما يدفعنا إلى الشك في ما يقال عن خلود الشعراء، فماذا يعني أن يبقى الشعر ويموت الشاعر؟ ثم ، لماذا يبدو الشاعر قويا أمام كل شيء فيما عدا الموت؟ لماذا يكون الموت بابا يمر فيه الجميع، أليست هناك استثناءات يخص بها الله مخلوقاته من الشعراء ؟ ثم، ماذا يعني الشاعر قبل الموت وبعده؟
1)
تنتابني مثل هذه الأسئلة كلما فقدت شاعرا . أي شاعر في العالم, كأنهم أ صدقائي أو جيراني الذين أتبادل معهم التحية كل صباح لكي يكتمل وجودي في العالم. وعندما يكون الشاعر قريبا إلى درجة نزار قباني فإن التأمل المقلق سيبلغ مداه وتطرفه ساعتها أتذكر فيلسوفا قال ذات مرة أنه ؛ليس من الحكمة التأمل في الموت, بل في الحياة وكأن في مقدورنا حقا تمييز الحدود (في كياننا) بين الموت و الحياة دعونا إذن لا نعترف بموت الشاعر
(2)
أعرف أنه كان يجتاز مرحلته الحرجة بعد الذبحة الأخيرة. (لماذا سماها الناس ذبحة لولا كونها إشارة إلى قتل). ترى هل أستطيع أن أسمي موت الشاعر قتلا ؟ أقول كنت أعرف أنه يجتاز ذبحته بصعوبة المقاتل. لكنني عندما سمعت الخبر ارتبكت لدرجة أنني أوشكت على التدهور في الضحك كمن لا يريد أن يقبل الفكرة. و أقسى ما في الأمر أن الذي نقل لي الخبر كان قد اتصل لكي يأخذ مني كلمة (بهذه المناسبة)، وكأن موت شاعر مناسبة لا يجوز تفويتها لإطلاق التصريحات. لحظتها شعرت أن ثمة استهتار بالموتى والأحياء معا . لوسائل الإعلام أسلوبها الفذ في التنكيل بنا، لكنني وجدت في ذلك الأسلوب (إحتفاءا ) مبالغا فيه بشاعر يموت توآ
وضعت سماعة الهاتف ووقعت في حزن كثيف سلب مني القدرة على الكلام طوال اليوم كأن حدثا غامضا عجزت عن تفسيره حدث لي. اليوم الأول كان يوم الحزن. وفي صباح اليوم الثاني بدأ شعور بالوحشة يسيطر علي ، كمن يكتشف فراغآ هائلا في الكون، فثمة شاعر محدد قد غاب عن الحياة. شاعر خاص لم يعد موجودا معي. شعور الوحشة هذا يجعل من الحياة قاصرة عن إقناعنا بأن لا فرق بين الشاعر وغيره من البشر فأنت تشعر بالوحشة عندما تفقد صديقا أو قريبا ، لكن حين تفقد شاعرا فإن المسألة تتجاوز الشخص لتنال الكيان كله. الشاعر هو الطبيعة التي تضفي على الحياة إنسانيتها وأسطوريتها في آن واحد. وأسطورية نزار قباني لا تكمن في شعره ولكنها تتجلى في قدرته على الحضور المتناهي في البساطة المستحيلة، تلك البساطة التي لا يفسرها شيئ سوى كائن شعري مثل نزار قباني شخصيا
(3)
لن أزيده مجدا إذا قلت أنه علمني الدرس الأول في الشعر، لكنها حقيقة تعنيني بدرجة أشعر بحيوتها في تجربتي، وأدرك وحدي خطورتها في تكويني الشعري. وربما نلت مجدا مضاعفا إذا صرحت بها في هذا السياق الحزين. فأنا جزء صغير من جيل شاسع أخذ من نزار قباني الدرس الشعري مبكرآ . وربما كان نزار قباني قد أتاح للغة التعبير الشعري درسا في الحب لم يعرفه من قبل. وعندما كنت أنسخ كتبه وأحفظها عن ظهر قلب (مثل الملايين غيري) لم أكن أشعر بأنه درسي الأول، ربما لأن المعنى الفني يأتي لاحقا ، ويعنيني هنا المعنى الإنساني الغامض (لحظتها) ، والمتصل بشهوة الحرية المكبوتة التي كانت ستينات هذا القرن تدخرها لجيلنا، وهو يجد في البحث عن آفاق ينطلق بها بعناصر مختلفة تسعفه للتعبير عن ذاته. نزار قباني كان مكونا جوهرا لذواتنا الإنسانية، والفنية بعد تفتح وعي الذات لذاتها. فالذين وجدوا في نزار قباني شخصا يمس شغافهم العاطفية، تيسر لهم لاحقا أن يرقبوه بوله وهو يمس الشغاف الأخرى بطريقته الغير قابلة للتقليد دون فضيحة
(4)
أقول دون فضيحة، لكي أشير إلى الفضيحة الرائعة التي قادني إليها تقليدي المبكر لكتابته
ففي تجاربي الأولى كنت مقلدا لبعض نصوصه بصورة جعلتني أعلن أنني كنت قادرا على تقليد شاعر كبير مثل نزار قباني. ولم يكن ذلك دون فضيحة.
أذكر أن الأستاذ محمود المردي (رئيس تحرير جريدة الأضواء البحرينية أوائل الستينات) كان يقرأ كل المحاولات الشعرية التي ترد إلى الجريدة آنذاك ويرد عليها شخصيا في باب القراء. أذكر أنه كتب لي ذات مرة جوابا على (قصيدة) أرسلتها للجريدة قائلا : ؛ إن هذه القصيدة صورة مهزوزة من نزار قباني«. يومها اعتبرت تلك الفضيحة شهادة اعتراف بأنني يمكن أن أفشل في تقليد نزار قباني، لكنني أيضا بدأت أكتشف كيف يمكن أصنع من هذا الفشل وتلك الفضيحة الرائعة مستقبلا جديرا بالمحاولة. أذكر هذه الحادثة الآن، لكي أشير إلى عدة أمور منها أننا كنا نتلقى الدرس الشعري على أيدي شعراء كبار ونعترف بفشلنا في تقليدهم. ومنها أيضا أن ذلك الإعتراف كان (معترفا به) من قبل رؤساء تحرير يتحملون مسؤلية الجانب الثقافي والأدبي في صحفهم، بصورة تدفعهم إلى قراءة تلك المحاولات والرد عليها بصراحة وصرامة تكبحان أي إدعاء فارغ يمكن أن يمارسه شخص يزعم أنه شاعر لمجرد أنه قل د شاعرا آخر. ومنها, خصوصا ، أن ما يحدث الآن في الساحة الأدبية أن الذين يكتبون محاولاتهم الأولى (وهم يقلدون الشعراء) يحصلون على الفرصة كاملة لأن يعلنوا (شعريتهم) بدون أي اعتراف بالفشل، بل وبتشجيع مريب من قبل أشخاص لا يفقهون شيئا في الأدب، لكي يختلط على الجميع (إلا قليلا ) بأن هؤلاء هم الشعراء الذين يصر ون على التعامل معهم على هذا الأساس
(5)
الآن, يمكن القول أن غياب شاعر مثل نزار قباني، من شأنه أن يجعلنا نتأكد من الوسائل المعتمدة في تقييم الشعر والشعراء الذين يرو جون ويرو ج لهم، فيما هم صور مهزوزة من
عشرات الشعراء الحقيقيين، دون أن يرف لهم جفن، ودون أن يردعهم رأي رصين وصارم ولعل التكريم الحقيقي لتجربة خطيرة مثل نزار قباني هو أن يكف المقلدون عن تقليد مستمر يستغرق حياتهم كلها، وليس مجرد بواكير محاولاتهم الأولى
الآن سوف أشعر بالحزن والوحشة بصورة مضاعفة، عندما أرقب النسخ المكررة لنزار قباني وغيره من التجارب، في ساحة واسعة من الكتابة دون الإعتراف بأن الفرق بين الموهبة وبين التقليد كبير بشكل فاجع، ويتوجب عدم المجاملة بشأنه. وإلا فإننا سوف نبالغ في التنكيل بنزار قباني إذا خلطنا بين التجليات الفنية والإبداعية لمدرسة نزار قباني ، ومئات (الصور المهزوزة) لقصائده التي يجري تداولها بوصفها تجارب شعرية متميزة
(6)
سوف يتضاعف الآن المعجبون بنزار قباني لكونه أصبح تجربة مكتملة الحياة والشعر فهذا شاعر لا يمكن العبور عليه دون إتخاذه درسا لنوع خاص وشخصي من الكتابة وعلينا أن نكتشف الفرق بين الأسطورة والواقع في هذه التجربة. فأحيانا تكون المبالغة في الحب ضربا من الإساءة، تماما مثل المبالغة في الموت .. لكي يبدو كما لو أنه نوع من القتل
أعني أن ثمة من سيمارس قتلا لنزار قباني عندما يعتبره (آخر الأنبياء)، أو أنه الشاعر الذي يجب ما قبله وما بعده. لأن هذا الضرب من المديح من شأنه أن يحو ل التجربة الحية إلى تمثال من الرخام يتوجب صقله، خصوصا إذا عرفنا أن من يحاول أن يصقل القمر سوف يعمل على تكديره وتشويه طاقة الضوء فيه. ويقيني أن أجمل تكريم لشاعر يموت سوف يتجلى دائما في صورة احترام الشاعر الذي يولد
(7)
لماذا أذهب في هذه التداعيات بعيدا عن الرثاء المتوقع في مثل هذا الموقف؟ الحقيقة أنني لا أعرف تماما السبب المباشر لهذا النزوع، لكنني أشعر بأن ثمة أسلوبا مختلفا أتوق للتعبير عنه وأنا أقول عن حزني الخاص تجاه فقد فادح على هذه الشاكلة ربما لأنني أذهب إلى مقاومة شعور الوحشة الذي ينتابني جراء هذا الفقد. ولو أنني أطلقت لنفسي الحرية أكثر للمزيد من التداعيات، فإن لدي من البوح الكثير مما يمس صميم تجربتي الشعرية بوصفها تجربة صغيرة في مدرسة نزار قباني، ليس على الصعيد الشعري فحسب، ولكن في المجال الإنساني خصوصا . وحين أقول هذا إنما أحب أن أشير بأن الشاعر الذي لا يعترف (أمام نفسه) بالأساتذة الذين تلقى على تجاربهم دروسه الأولى سيكون أقل جدارة من المسؤولية الإبداعية التي تستدعي الوضوح أمام الذات ومن جهة أخرى فإن تلقي الخبرة وصقل الموهبة لا ينشأ من فراغ متوهم، ولكنه ينهض من حقيقة كونية مفادها أن الإبداع هو ضرب من الشبكة المتصلة بالعديد من الخبرات الفنية والإنسانية المتراكمة، هذه الخبرات التي لا تصبح هواء لقلب الشاعر وروح النص إلا بحرية الإعتراف بها وتمثلها وتقديم الشكر العظيم لها
مجلة نزوى العدد الثاني
لحداثة في اشعار نزار قباني
د عواطف فيصل
نزار قباني بــين الحداثـــة والإبـــداع إن دراسة شعر الحداثة تعد ضرباً من المجازفة في ميدان التحليل والنقد، لأن قضية الحداثة نفسها ما زالت حتى اليوم موضوع نقاش وأخذ ورد ومازال ثوبها النهائي لم يأخذ شكله الكامل وأبعاده المحدودة، وما قيل من شعر في هذه المرحلة التي امتدت زهاء خمسة عقود من الزمن يمكن ان يسمى في قسم منه بالمحاولات التجريبية
التي لم ترق إلى ان تكون نموذجات أدبية عالمية والنموذجات الفنية منه التي قد تأخذ صفة الديمومة والخلود لا تزال قليلة كتبها بعض الأعلام المبدعين أمثال نزار قباني و د. أحمد سليمان الأحمد وسليمان العيسى ووصفي القرنفلي ونديم محمد وحامد حسن،
ومن المؤسف ان يرى الدارس للشعر الحديث في سورية ان كثيراً من الدواوين الشعرية التي نشرت في العقود الماضية لا تحتل في ميدان النقد الأدبي كبير اهتمام فلا صفحات نشرت للدعاية الشخصية على وجوه الجرائد والمجلات، وقد يكتب الموت على عدد غير قليل من هذه الدواوين الشعرية عاجلاً أم آجلاً، بسبب الضعف والسقم إذ صوحت نضرتها قبل ان تصل إلى أقلام النقاد، وقد تأخذ خصوصية الأدب العربي في سورية وقفة طويلة ريثما تتبلور لأن هذا الأدب لم يكتسب خصوصية خاصة، وقد لا تتحقق فيه معالم مميزة لأنه جزء لا يتجزأ من حركة الأدب العربي الذي تصهره بوتقة واحدة تمثل أدب العرب من المحيط إلى الخليج.وعلى الدارس للشعر العربي في سورية في العصر الحديث ان ينتبه لضرورة التمييز بين فئتين من الشعراء الأولى يمثلها جماعة ممن أصلوا لمفهوم الحداثة وهم قلة أذكر منهم نزار قباني، د. أحمد سليمان الأحمد وسلمان العيسى ووصفي القرنفلي وشوقي بغدادي ومحمد عمران وفايز خضور ومنذر لطفي والشرابي ولا يعني هذا ان المذكورين جميعاً يسيرون في انتاجهم الفني وفق مفهوم نظري واحد إذ ان لكل واحد منهم مذاقه الخاص ووجهته الفكرية وتلويناته الفنية، أما الفئة الثانية فهي لا تزال تسلك سبيل النبوغ بتعثر ويهتم أصحابها بقلب المفاهيم الادبية سواء من ناحية الشكل أو المضمون ويعتقدون ان شكل الشعر القديم أصبح بالياً ويحتاج إلى إهاب جديد ولذلك فهم يجربون الأطر الجديدة التي تخطر على بالهم، ومن هنا يصح ان ندعوهم بالشعراء المجربين، وأهم سمة تميزهم تلك الحماسة والجرأة البالغة على نظم الشعر والإعلان عنه ونشره في الصحف والمجلات مع ان الذوق الأدبي العام لم يستسغ بعد هذا الشعر ولم يتقبله تقبلاً ناتجاً عن رضا وقناعة وتقدير ولعل مرد ذلك يعود إلى التجربة الفنية والشعورية التي لا تزال في أول أطوار النمو وتحتاج إلى كثير من الصقل والتهذيب والثقافة ولا أقصد بهذا الكلام الطعن والنيل من ذوي المواهب الشابة والناشئة والأقلام الواعدة وإني آمل لتلك الفئة من الشعراء ان ينضج شعرها ويعطي أشهى الثمار لأن في فرائد بعضهم تحليقات فنية حسنة تدل على وجود الموهبة والحس الابداعي.إن التطور الذي شهده الشعر العربي في سورية مديناً إلى شعراء الفئة الأولى الذين ولدوا في العشرينيات من القرن الماضي ونقلوا الشعر السوري من المرحلة الكلاسيكية إلى المرحلةالجديدة التي توصف بالحداثة أو المعاصرة فهؤلاء حملوا إلى الشعر الموهبة والثقافة وأعطوا التعبير الفني أطراً ابداعية، فقد جددوا في هيكل القصيدة ومنحوها صوراً وأوزاناً وقوافي مستحدثة وطوروا المعاني وأفاضوا عليها ملامحهم الوجدانية ورؤيتهم الفكرية والموضوعية فهؤلاء أبدعوا مبادىء الشعر الحديث في سورية وساروا بالحداثة إلى أبعد مدى فالدكتور سليمان الأحمد نهل من المدرسة الرمزية والشاعر سليمان العيسى أخذ بمذهب الواقعية العربية وبلور فلسفتها وخصوصيتها العربية وشوقي البغدادي سار في تيار الواقعية الاشتراكية والشرابي مال إلى البرناسية واهتم شاعرنا نزار قباني بقضية المرأة وكاد يقتصر انتاجه الأدبي عليها إلا أنه بعد نكسة حزيران اتخذ شعره لوناً آخر عبر فيه عن هموم الأمة العربية وتطلعها إلى التحرر والنصر ومناهضة الاستعمار بكافة أشكاله.وإن الحديث عن صورة المرأة في الشعر الحديث لا يأتي إلا ضمن معايير فلسفة لجمال والحقيقة والنفس، ومن ثم فإن المعاناة الشعرية هي الرصيد الأول الذي يمتلكه الشاعر السوري عندما يتطرق إلى وصف المرأة وحديثي الآن عن شعر نزار قباني والصورة الجسدية للمرأة في شعره فقد أبرزها في أبهى صورة فوصف جمال العينين وحلاوة الفم وجمال الشعر وما إلى ذلك من تفصيلات دقيقة بل ان شعره اكتسب شعبية كبيرة نظراً لما فيه من عناصر فنية جمالية ناجحة ولعل سر إعجاب الكثيرين بشعر نزار قباني لا يعود فقط لأن نزاراً يمتلك ناصية التعبير الشعري فطرة وسليقة ولأن شعره يكشف عن سهولة في أداء التعبير المبتكر فكأن الكلمات تخلق وتتدفق قبل ان يعيها عقله بل لأن نزاراً في الدرجة الأولى يعرف كيف يستعمل في أغلب شعره الكلمات الطازجة والتعابير المعاصرة دون ان يثقل شعره بتعابير عصور مضت وأجيال من المقلدين انه يحدثنا بلغتنا نحن لا بلغة القرون الوسطى، وهو يأخذ العبارة من أفواهنا وبلمسة رقيقة يحيلها إلى جزء من قصيدة، ونزار صاحب المقولة المشهورة وهي ان الفن هو الجمال المطلق وهو يعترف في مقدمة ديوانه (طفولة نهد)، بأن الشعر عنده كالزهرة الموضوعة في الآنية للتجميل فقط، وفلسفة نزار في ذلك هي من الفلسفات المثالية التي تنادي بالجمال والأجمل والكمال والأكمل ويقول الفيلسوف «كانط» ليس ضرورياً ان أجد الجمال في شيء فالأزهار والخطوط الزخرفية المرتبة ليست تعني شيئاً وليست تعتمد على أي مفهوم محدد وهي مع ذلك تمتعنا.وقد تحدث الناقد محي الدين صبحي عن نزار ونفى عنه صفة الاستجابة الغريزية في وصفه فقال في بحث مطول أداره حول هذه الفكرة (مما يسوغ لنا الحكم بأن طبيعة العلاقة بين الشاعر أي نزار والجمال الأنثوي هي علاقة فنية وليست غريزية وكان قد ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال عن نزار أيضاً ان الشاعر نزار وقف من العالم ومن المرأة خاصة موقف المتذوق مما أدى به إلى التسامي باتجاه عبادة الجمال وتأمله واستجلاء نواحي الفتنة والإغراء مع أقل حد من الاستجابة الغريزية المحضة وأكبر مقدار من الاستجابة الجمالية الصرف وهذا الكلام يعطي نصف الحقيقة لأن النصف الباقي يكمن فعلاً في الدافع الغريزي الذي صدر عنه نزار ولا يمكن لأحد ان ينفيه عنه ولا عن سائر شعراء الغزل المعاصرين في سورية لأن هذا الدافع موجود فعلاً في مكونات الشخصية الانسانية ولا يختلف في ذلك اثنان.لقد تغنى نزار بجمال حواء منذ ان نشر قصائده الأولى عام 1944 واستعان لنشر قصائده بدار خاصة للنشر ببيروت سماها مؤسسة نزار للنشر ولنقرأ ديوان نزار ونرى كيف تراءى الجمال الأنثوي لعيني فنان شاعر كنزار كيف يرى ألوان العين وانضفار الساق وانسدال الشعر وارتفاف الشفة وغيرها، هل يقوى على التحديق بها وتصويرها كما هي في واقعها كتلة ذات حجم ولون وغاية أو انه ينكفىء إلى داخله ليتوارى وراء صور مبهمة غائمة ان شاعرنا يغطي انفعالاته بعشرات الصور فثغرها مزروع بأزهار الليمون، وهو قرنفلة خجولة، مخلب مهذب، قوس لازورد، ياقوتة مضيئة عليه دلائل الرفاه، أحمر لين كالشمع وتابع الشاعر أوصافه في قصائد متعددة وفمها مرسوم كالعنقود مخملي مطلي بالأحمر الناري، غصن سلام، وهو كالبرعم كلوحة ناجحة - كفكرة جناحها أحمر، كجملة قيلت ولم تفهم ، كنجمة ضيعت دربها، ولونه كالورد، كالعناب، شفاهها كرز الحديقة، آبار النبيذ زهرة رمان، شفتها مشقوقة مثل الفستقة، نافورة صادحة، وعاء ورد أحمر، باقة كرز- ومبسمها وريقة توت ضحكتها موسيقى وورود، فمها الذهبي يرش موسيقى حديثها في بساطته كالطير في السماء، والأسماك في البحار- عذب ممتع مثل الموسيقى الصادحة وهمسها كأنه غرغرة الضوء بغسقية، وصوتها حريري وادع حلو غريزي الرنين ومشيتها كميس الهوادج، ووقع أقدامها كأنها انغام موسيقية قادمة من غابة البيلسان وعيناها عند النظر اليهما بحيرتا سكون، كوخان عند البحر، مرآتان من ذهب لونهما كالفيروز وهما كنهرين من تبغ ومن عسل وأحياناً يراهما الشاعر كنهري أحزان كنهري موسيقى كشاطىء نقاء، كقطعتي حلي كماستين، وتابع الشاعر أوصافه المبتكرة فيرى الموج الأزرق في عينيها وضوء عينيها كضوء القمر فيها النجوم مبعثرة كمرايا اشتعلت متألقة خيرة كالموسم الخير فيها مرح كزقزقة العصافير أصفى من ماء الخلجان وكلما يبحر الشاعر في عينيها - يحس انه في عوالم عجيبة
وكلما سافرت في عينيك يا حبيبتي
أحس أني راكب سجادة سحرية
فغيمة وردية ترفعني
وبعدها تأتي البنفسجية
أدور في عينيك يا حبيبتي
أدور مثل الكرة الأرضية
وإنني أجد في شعر نزار الوصف الذي ينصرف غالباً إلى تقرير الأشياء بدلاً من ان ينصرف إلى التنازع معها تنازعاً مصيرياً وتعليلها تعليلاً نفسياً وجودياً وقلما ينفلت الشاعر من الوصفية التقليدية إلى الوجهة الشعرية الصادقة التي توحي ولا تصف وتحل في الأشياء وتتحد معها بدلاً من ان تعزلها وتواجهها من الخارج وهذه النزعة ظاهرة في دواوينه الأولى.
ويقول نزار:
من تكونين أيا أغنية
دفؤها فوق احتمال الوتر
أنت يا وعداً بصحو مقبل
بعطايا فوق وسع البيدر
ويصف نزار أناملها في قصائد أخرى من ديوانه فهي أنهار فضية يدها مساند التفاح ناعمة كالبلور، يدها مضيئة كالشمس، سبيكة ذهب، مروحة صينية حمامة، نجمة.
ويقول نزار:
يدك التي حطت على كتفي
كحمامة نزلت لكي تشرب
يدك الصغيرة نجمة هربت
ماذا أقول لنجمة تلعب
وإننا نلاحظ ان قسماً كبيراً من هذه الأوصاف التي أطلقها نزار على الملامح الجسدية للمرأة طازجة ومبتكرة تغلب عليها سمات الحضارة والرقي والترف، ولم نتعود مثلها في أدبنا العربي إلا أنها تظل مع ذلك لوحات فنية صامتة.وكان هم الشاعر حين وصف تلك الأوصاف الجسدية تسجيل المماثلات القائمة في العالم الخارجي أكثر مما يعنيه انفعالاته وتسجيل انطباعاته وتأثره بمشاهد صوره غير أننا عندما نتابع قراءة دواوين الشاعر نزار فإننا نرى تعمق الجانب العاطفي الأثيري في شعره وفسحة من التعاطف بينه وبين جمال الكون، وقدرة فائقة على المحاكاة بين الجمال الانثوي والطبيعة بصدق وشفافية، وهذا بالتأكيد يفسر سر خلود شعر شاعرنا الكبير نزار قباني رحمه الله.
السيرة الذاتية لسياف عربي..!
أيها الناس:
لقد أصبحت سلطانا عليكم
فاكسروا أصنامكم بعد ضلال ، واعبدوني...
إنني لا أتجلى دائما..
فاجلسوا فوق رصيف الصبر، حتى تبصروني
اتركوا أطفالكم من غير خبز
واتركوا نسوانكم من غير بعل .. واتبعوني
إحمدوا الله على نعمته
فلقد أرسلني كي أكتب التاريخ،
والتاريخ لا يكتب دوني
إنني يوسف في الحسن
ولم يخلق الخالق شعرا ذهبيا مثل شعري
وجبينا نبويا كجبيني
وعيوني غابة من شجر الزيتون واللوز
فصلوا دائما كي يحفظ الله عيوني
أيها الناس:
أنا مجنون ليلى
فابعثوا زوجاتكم يحملن مني..
وابعثوا أزواجكم كي يشكروني
شرف أن تأكلوا حنطة جسمي
شرف أن تقطفوا لوزي وتيني
شرف أن تشبهوني..
فأنا حادثة ما حدثت
منذ آلاف القرون..
2
أيها الناس:
أنا الأول والأعدل،
والأجمل من بين جميع الحاكمين
وأنا بدر الدجى، وبياض الياسمين
وأنا مخترع المشنقة الأولى، وخير المرسلين..
كلما فكرت أن أعتزل السلطة، ينهاني ضميري
من ترى يحكم بعدى هؤلاء الطيبين؟
من سيشفى بعدي الأعرج، والأبرص، والأعمى..
ومن يحيي عظام الميتين؟
من ترى يخرج من معطفه ضوء القمر؟
من ترى يرسل للناس المطر؟
من ترى يجلدهم تسعين جلدة؟
من ترى يصلبهم فوق الشجر؟
من ترى يرغمهم أن يعيشوا كالبقر؟
ويموتوا كالبقر؟
كلما فكرت أن أتركهم
فاضت دموعي كغمامة..
وتوكلت على الله ...
وقررت أن أركب الشعب..
من الآن.. الى يوم القيامه..
3
أيها الناس:
أنا أملككم
كما أملك خيلي .. وعبيدي
وأنا أمشي عليكم مثلما أمشي علي سجاد قصري
فاسجدوا لي في
قيامي
واسجدوا لي في
قعودي
أولم أعثر عليكم ذات يوم
بين أوراق جدودي ؟؟
حاذروا أن تقرأوا أي كتاب
فأنا أقرأ عنكم..
حاذروا أن تكتبوا أي خطاب
فأنا أكتب عنكم..
حاذروا أن تسمعوا فيروز بالسر
فإنى بنواياكم عليم
حاذروا أن تدخلوا القبر بلا إذني
فهذا عندنا إثم عظيم
والزموا الصمت، إذا كلمتكم
فكلامي هو قرآن كريم..
4
أيها الناس:
أنا مهديكم ، فانتظروني
ودمى ينبض فى قلب الدوالي، فاشربوني
أوقفوا كل الأناشيد التى ينشدها الأطفال
فى حب الوطن
فأنا صرت الوطنه.
إننى الواحد، والخالد ما بين جميع الكائنات
وأنا المخزون فى ذاكرة التفاح، والناي،
وزرق الأغنيات
إرفعوا فوق الميادين تصاويري
وغطوني بغيم الكلمات
واخطبوا لي أصغر الزوجات سناً..
فأنا لست أشيخ..
جسدي ليس يشيخ..
وسجوني لا تشيخ..
وجهاز القمع في مملكتي ليس يشيخ..
أيها الناس:
أنا الحجاج إن أنزع قناعي تعرفوني
وأنا جنكيز خان جئتكم..
بحرابي .. وكلابي.. سوجوني
لاتضيقوا - أيها الناس - ببطشي
فأنا أقتل كي لاتقتلوني....
وأنا أشنق كي لا تشنقوني..
وأنا أدفنكم في ذلك القبر الجماعي
لكيلا تدفوني..
5
أيها الناس :
اشتروا لي صحفا تكتب عني
إنها معروضة مثل البغايا في الشوارع
إشتروا لي ورقا أخضر مصقولاً كأشعاب الربيع
ومدادا .. ومطابع
كل شيء يشترى فى عصرنا .. حتى الأصابع..
إشتروا فاكهة الفكر .. وخلوها أمامي
واطبخوا لى شاعرا،
واجعلوه، بين أطباق طعامي..
أنا أمى.. وعندي عقدة مما يقول الشعراء
فاشتروا لي شعراء يتغنون بحسني..
واجعلوني نجم كل الأغلفة
فنجوم الرقص والمسرح ليسوا أبدا أجمل مني
فأنا، بالعملة الصعبة، أشتري ما أريد
أشتري ديوان بشار بن برد
وشفاه المتنبي، وأناشيد لبيد..
فالملايين التي في بيت مال المسلمين
هى ميراث قديم لأبي
فخذوا من ذهبي
واكتبوا فى أمهات الكتب
أن عصري عصر هارون الرشيد...
6
يا جماهير بلادي:
ياجماهير العشوب العربية
إننى روح نقى جاء كى يغسلكم من غبار الجاهلية
سجلوا صوتى على أشرطة
إن صوتي أخضر الايقاع كالنافورة الأندلسية
صوروني باسما مثل الجوكندا
ووديعا مثل وجه المدلية
صوروني...
وأنا أفترس الشعر بأسناني..
وأمتص دماء الأبجدية
صوروني
بوقارى وجلالي،
وعصاى العسكرية
صوروني..
عندما أصطاد وعلا أو غزالا
صوروني..
عندما أحملكم فوق أكتافى لدار الأبدية
يا جماهير العشوب العربية...
7
أيها الناس:
أنا المسؤول عن أحلامكم إذ تحلمون..
وأنا المسؤول عن كل رغيف تأكلون
وعن العشر الذي - من خلف ظهري - تقرأون
فجهاز الأمن فى قصرى يوافينى
بأخبار العصافير .. وأخبار السنابل
ويوافينى بما يحدث فى بطن الحوامل
أيها الناس: أنا سجانكم
وأنا مسجونكم.. فلتعذروني
إننى المنفى في داخل قصري
لا أرى شمسا، ولا نجما، ولا زهرة دفلى
منذ أن جئت الى السلطة طفلا
ورجال السيرك يلتفون حولي
واحد ينفخ ناياً..
واحد يضرب طبلا
واحد يمسح جوخاً .. واحد يمسح نعلا..
منذ أن جئت الى السلطة طفلا..
لم يقل لي مستشار القصر (كلا)
لم يقل لي وزرائى أبدا لفظة (كلا)
لم يقل لي سفرائي أبدا في الوجه (كلا)
لم تقل إحدى نسائي في سرير الحب (كلا)
إنهم قد علموني أن أرى نفسي إلها
وأرى الشعب من الشرفة رملا..
فاعذروني إن تحولت لهولاكو جديد
أنا لم أقتل لوجه القتل يوما..
إنما أقتلكم .. كي أتسلى..
قباني يكتب سيرة حياته
يوم ولدت في 21 آذار1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة, كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة.. و كان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء.الأرض و أمي حملتنا في وقت واحد..و وضعتنا في وقت واحد.هل كانت مصادفة يا ترى أن تكون ولادتي هي الفصل الذي تثور فيه الأرض على نفسها, و ترمي فيه الأشجار كل أثوابها القديمة؟ أم كان مكتوباً علي أن أكون كشهر آذار, شهر التغيير و التحولات؟
كل الذي أعرفه أنني يوم ولدت, كانت الطبيعة تنفذ إنقلابها على الشتاء.. و تطلب من الحقول و الحشائش و الأزهار و العصافير أن تؤيدها في إنقلابها..على روتين الأرض.
هذا ما كان يجري في داخل التراب, أما في خارجه فقد كانت حركة المقاومة ضد الإنتداب الفرنسي تمتد من الأرياف السورية إلى المدن و الأحياء الشعبية. و كان حي (الشاغور), حيث كنا نسكن, معقلاً من معاقل المقاومة, و كان زعماء هذه الأحياء الدمشقية من تجار و مهنيين, و أصحاب حوانيت, يمولون الحركة الوطنية, و يقودونها من حوانيتهم و منازلهم.
أبي, توفيق القباني, كان واحداً من هؤلاء الرجال, و بيتنا واحداً من تلك البيوت.
و يا طالما جلست في باحة الدار الشرقية الفسيحة, أستمع بشغف طفولي غامر, إلى الزعماء السياسيين السوريين يقفون في إيوان منزلنا, و يخطبون في ألوف الناس, مطالبين بمقاومة الإحتلال الفرنسي, و محرضين الشعب على الثورة من أجل الحرية.
و في بيتنا في حي (مئذنة الشحم) كانت تعقد الإجتماعات السياسية ضمن أبواب مغلقة, و توضع خطط الإضرابات و المظاهرات و وسائل المقاومة. و كنا من وراء الأبواب نسترق الهمسات و لا نكاد نفهم منها شيئاً..
و لم تكن مخيلتي الصغيرة في تلك الأعوام من الثلاثينيات قادرة على وعي الأشياء بوضوح. و لكنني حين رأيت عساكر السنغال يدخلون في ساعات الفجر الأولى منزلنا بالبنادق و الحراب و يأخذون أبي معهم في سيارة مصفحة إلى معتقل (تدمر) الصحراوي..عرفت أن أبي كان يمتهن عملاً آخر غير صناعة الحلويات..كان يمتهن صناعة الحرية.
كان أبي إذن يصنع الحلوى و يصنع الثورة. و كنت أعجب بهذه الإزدواجية فيه, و أدهش كيف يستطيع أن يجمع بين الحلاوة و بين الضراوة..
أسرتي و طفولتي
في التشكيل العائلي, كنت الولد الثاني بين أربعة صبيان و بنت, هم المعتز و رشيد و صباح و هيفاء.
أسرتنا من الأسر الدمشقية المتوسطة الحال. لم يكن أبي غنياً و لم يجمع ثروة, كل مدخول معمل الحلويات الذي كان يملكه, كان ينفق على إعاشتنا, و تعليمنا, و تمويل حركة المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين.
و إذا أردت تصنيف أبي أصنفه دون تردد بين الكادحين, لأنه أنفق خمسين عاماً من عمره, يستنشق روائح الفحم الحجري, و يتوسد أكياس السكر, و ألواح خشب السحاحير..
و كان يعود إلينا من معمله في زقاق (معاوية) كل مساء, تحت المزاريب الشتائية كأنه سفينة مثقوبة..
و إني لأتذكر وجه أبي المطلي بهباب الفحم, و ثيابه الملطخة بالبقع و الحروق, كلما قرأت كلام من يتهمونني بالبرجوازية و الأنتماء إلى الطبقة المرفهة, و السلالات ذات الدم الأزرق..
أي طبقة.. و أي دم أزرق.. هذا الذي يتحدثون عنه؟
إن دمي ليس ملكياً, و لا شاهانياً, و إنما هو دم عادي كدم آلاف الأسر الدمشقة الطيبة التي كانت تكسب رزقها بالشرف و الإستقامة و الخوف من الله..
وراثياً, في حديقة الأسرة شجرة كبيرة..كبيرة..إسمها أبو خليل القباني. إنه عم والدتي و شقيق جد والدي..
قليلون منكم_ربما_ من يعرفون هذا الرجل.
قليلون من يعرفون أنه هز مملكة, و هز باب (الباب العالي) و هز مفاصل الدولة العثمانية, في أواخر القرن التاسع عشر.
أعجوية كان هذا الرجل. تصورووا إنساناً أراد أن يحول خانات دمشق التي كانت تزرب فيها الدواب إلى مسارح..و يجعل من دمشق المحافظة, التقية, الورعة..(برودواي) ثانية..
خطيرة كانت أفكار أبي خليل.و أخطر ما فيها أنه نفذها.. و صلب من أجلها..
أبو خلبل القباني كان إنسكلوبيديا بمئة مجلد و مجلد.. يؤلف الروايات, و يخرجها, و يكتب السيناريو, و يضع الحوار الحوار, و يصمم الأزياء, و يغني و يمثل, و يرقص, و يلحن كلام المسرحيات, و يكتب الشعر بالعربية و الفارسية.
و حين كانت دمشق لا تعرف من الفن المسرحي غير خيمة (قره كوز) و لا تعرف من الأبطال, غير أبي زيد الهلالي, و عنترة, و الزير..كان أبو خليل يترجم لها راسين عن الفرنسية..
و في غياب العنصر النسائي, اضطر الشيخ إلى إلباس الصبية ملابس النساء, و إسناد الأدوار النسائية إليهم, تماماً مثلما فعل شكسبير في العصر الفيكتوري.
و طار صواب دمشق, و أصيب مشايخها, و رجال الدين فيها بإنهيار عصبي, فقاموا بكل ما يملكون من وسائل, و سلطوا الرعاع عليه ليشتموه في غدوه و رواحه, و هجوه بأقذر الشعر, و لكنه ظل صامداً, و ظلت مسرحياته تعرض في خانات دمشق, و يقبل عليها الجمهور الباحث عن الفن النظيف.
و حين يئس رجال الدين الدمشقيون من تحطيم أبي خليل, ألفوا وفداً ذهب إلى الأستانة و قابل الباب العالي, و أخبره أن أبا خليل القباني يشكل خطراً على مكارم الأخلاق, و الدين, و الدولة العلية, و أنه إذا لم يغلق مسرحه, فسوف تطير دمشق من يد آل عثمان..و تسقط الخلافة.
طبعاً خافت الخلافة على نفسها, و صدر فرمان سلطاني بإغلاق أول مسرح طليعي عرفه الشرق و غادر أبو خليل منزله الدمشقي إلى مصر, و ودعته دمشق كما تودع كل المدن المتجرة موهوبيها, أي بالحجارة, و البندورة, و البيض الفاسد..
و في مصر, التي كانت أكثر إنفتاحاً على الفن, و أكثر فهماً لطبيعة العمل الفني, أمضى أبو خليل بقية أيام حياته, و وضع الحجر الأول في بناء المسرح الغنائي المصري.
إن انقضاض الرجعية على أبي خليل, هو أول حادث استشهاد فني في تاريخ أسرتنا..و حين افكر في جراح أبي خليل, و في الصليب الذي حمله على كتفيه, و في ألوف المسامير المغروزة في لحمه, تبدو جراحي تافهة..و صليبي صغيراً صغيراً
فأنا أيضاً ضربتني دمشق بالحجارة, و البندورة, و البيض الفاسد..حين نشرت عام 1954 قصيدتي (خبز و حشيش و قمر)..
العمائم نفسها التي طالبت بشتق أبي خليل طالبت بشنقي..و الذقون المحشوة بغبار التاريخ التي طلبت رأسه طلبت رأسي..
(خبز و حشيش و قمر) كانت أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني و بين الخرافة..و بين التاريخين..
دارنا الدمشقية
لا بد من العودة مرةً أخرى إلى الحديث عن دار (مئذنة الشحم) لأنها المفتاح إلى شعري, و المدخل الصحيح إليه.
و بغير الحديث عن هذه الدار تبقى الصورة غير مكتملة, و منتزعة من إطارها.
هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة.
إنني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ,و لكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر ..و إنما أظلم دارنا.
و الذين سكنوا دمشق, و تغلغلوا في حاراتها و زواريبها الضيقة, يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون...
بوابة صغيرة من الخشب تنفتح. و يبدأ الإسراء على الأخضر, و الأحمر, و الليلكي, و تبدء سمفونية الضوء و الظل و الرخام.
شجرة النارنج تحتضن ثمارها, و الدالية حامل, و الياسمينة ولدت ألف قمر أبيض و علقتهم على قضبان النوافذ..و أسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا..
أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء.. و تنفخه.. و تستمر اللعبة المائية ليلاً و نهاراً..لا النوافير تتعب.. و لا ماء دمشق ينتهي..
الورد البلدي سجاد أحمر ممدود تحت أقدامك.. و الليلكة تمشط شعرها البنفسجي, و الشمشير, و الخبيزة, و الشاب الظريف,و المنثور, و الريحان, و الأضاليا.. و ألوف النباتات الدمشقية التي أتذكر ألوانها و لا أتذكر أسمائها.. لا تزال تتسلق على أصابعي كلما أرت أن أكتب..
القطط الشامية النظيفة الممتلئة صحةً و نضارة تصعد إلى مملكة الشمس لتمارس غزلها و رومانتيكيتها بحرية مطلقة, و حين تعود بعد هجر الحبيب و معها قطيع من صغارها ستجد من يستقبلها و يطعمها و يكفكف دموعها..
الأدراج الرخامية تصعد.. و تصعد..على كيفها..و الحمائم تهاجر و ترجع على كيفها.. لا أحد يسألها ماذا تفعل؟ و السمك الأحمر يسبح على كيفه.. و لا أحد يسأله إلى أين؟
و عشرون صحيفة فثل في صحن الدار هي كل ثروة أمي.
كل زر فلٍ عندها يساوي صبياً من أولادها.. لذاك كلما غافلناها و سرقنا ولداً من أولادها..بكت..و شكتنا إلى الله..
***
ضمن نطاق هذا الحزام الأخضر.. و لدت, و حبوت, و نطقت كلماتي الأولى.
كان إصطدامي بالجمال قدراً يومياً. كنت إذا تعثرت أتعثر بجناح حمامة.. و إذا سقطت أسقط على حضن وردة..
هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ على كل مشاعري و أفقدني شهية الخروج إلى الزقاق.. كما يفعل الصبيات في كل الحارات.. و من هنا نشأ عندي هذا الحس (البيتوتي) الذي رافقني في كل مراحل حياتي.
إنني أشعر حتى اليوم بنوع من الإكتفاء الذاتي, يجعل التسكع على أرصفة الشوارع, و اصطياد الذباب في المقاهي المكتظة بالرجال, عملاً ترفضه طبيعتي.
و إذا كان نصف أدباء العالم قد تخرج من أكادمية المقاهي, فإنني لم أكن من متخرجيها.
لقد كنت أؤمن أن العمل الأدبي عمل من أعمال العبادة, له طقوسه و مراسمه و طهارته, و كان من الصعب علي أن أفهم كيف يمكن أن يخرج الأدب الجاد من نرابيش النراجيل, و طقطقة أحجار النرد..
***
طفولتي قضيتها تحت (مظلة الفي و الرطوبة) التي هي بيتنا العتيق في (مئذنة الشحم).
كان هذا البيت هو نهاية حدود العالم عندي, كان الصديق, و الواحة, و المشتى, و المصيف..
أستطيع الآن, أن أغمض عيني و أعد مسامير أبوابه, و أستعيد آيات القرآن المحفورة على خشب قاعاته.
أستطيع الآن أن أعد بلاطاته واحدةً..واحدة.. و أسماك بركته واحدةً..واحدة.. و سلالمه الرخامية درجةً..درجة..
أستطيع أن أغمض عيني, و أستعيد, بعد ثلا ثيين سنة مجلس أبي في صحن الدار, و أمامه فنجان قهوته, و منقله, و علبة تبغه, و جريدته.. و على صفحات الجريدة تساقط كل خمس دقائق زهرة ياسمين بيضاء.. كأنها رسالة حب قادمة من السماء..
على السجادة الفارسية الممدودة على بلاط الدار ذاكرت دروسي, و كتبت فروضي, و حفظت قصائد عمر بن كلثوم, و زهير, و النابغة الذبياني, و طرفة بن العبد..
هذا البيت-المظلة ترك بصماته واضحة على شعري. تماماً كما تركت غرناطة و قرطبة و إشبيليا بصماتها على الشعر الأندلسي.
القصيدة العربية عندما وصلت إلى إسبانيا كانت مغطاةً بقشرة كثيفة من الغبار الصحراوي.. و حين دخلت منطقة الماء و البرودة في جبال (سييرا نيفادا) و شواطئ نهر الوادي الكبير..
و تغلغلت في بساتين الزيتون و كروم العنب في سهول قرطبة, خلعت ملابسها و ألقت نفسها في الماء.. و من هذا الإصطدام التاريخي بين الظمأ و الري..ولد الشعر الأندلسي..
هذا هو تفسيري الوحيد لهذا الإنقلاب الجذري في القصيدة العربية حين سافرت إلى إسبانيا في القرن السابع.
إنها بكل بساطة دخلت إلى قاعة مكيفة الهواء..
و الموشحات الأندلسية ليست سوى (قصائد مكيفة الهواء)..
و كما حدث للقصيدة العربية في إسبانيا حدث لي, امتلأت طفولتي رطوبة, و امتلأت دفاتري رطوبة, و امتلأت أبجديتي رطوبة..
هذه اللغة الشامية التي تتغلغل في مفاصل كلماتي, تعلمتها في البيت-المظلة الذي حدثتكم عنه..
و لقد سافرت كثيراً بعد ذلك, و ابتعدت عن دمشق موظفاً في السلك الديبلوماسي نحو عشرين عاماً و تعلمت لغاتً كثيرة أخرى, إلا أن أبجديتي الدمشقية ظلت متمسكة بأصابعي و حنجرتي, و ثيابي. و ظللت ذلك الطفل الذي يحمل في حقيبته كل ما في أحواض دمشق, من نعناعٍ, و فل, و ورد بلدي..
إلى كل فنادق العالم التي دخلتها..حملت معي دمشق, و نمت معها على سريرٍ واحد
مجلة الاداب تموز 1970
ماذا بقي من نزار قباني
بتاريخ : السبت 19-06-2010 04:07 صباحا
انتقال نزار قباني من شاعر للذاكرة العربية الى ذاكرة للشعر العربي المعاصر. غالباً ما يسقط كثـر في قعر النسيان أثناء الارتحال من الضفة الأولى الى الثانية. ونادراً ما تنجو قلة من الشعراء من هذا المصير المحتوم حتى وإن كان من بينهم من يستحق أن يتخطى عثـرات الموت الى دائرة الحياة في ذاكرة القيامة العربية. معادلة كهذه غامضة، على الأرجح، لا تخضع بالضرورة لمعايير منطقية،
خصوصاً في مجال الشعر الذي يوقظ أساطير وخرافات واحتمالات في لا وعي الجماعة، ويميت أخرى في الوقت عينه. نزار قباني من هذه القلة القليلة التي قيّض لها أن تقطع المسافة بين الحياة والموت، وبين الموت والحياة بسرعة البرق. والأغرب أنه كان يصنع موته في حياته، ويقيم بنيان حياته في موته.
بدا، منذ إصداره ديوانه الأول "قالت لي السمراء" في العام 1944 وانتشاره كالنار في الهشيم، أنه كان يقترب من هذه المعادلة على نحو مبكر جداً. ذاق طعم الشهرة التي ضربت الآفاق منذ نعومة أظفاره. لذلك كان دائم الخشية من أن يفقدها بالسرعة عينها التي حظي بها. أدرك وهو لا يزال في الحادية والعشرين من العمر أن الحد الفاصل بين الحياة والموت هو نفسه الحد الفاصل بين الشعر وموت الشعر. انحاز بكليته الى الأول من دون أن يشطب الثاني من جدول أعماله. والأغلب أن موت الشعر في نفسه شكل الحافز الأقوى والفكرة الأعمق التي لم تبارحه لحظة واحدة. لم يكن بمقدوره أن يستبعد شبحها المخيف إلا بالاستسلام التلقائي لمفاتن الشعر والادمان الاستثنائي على التوغل فيها والكشف عن خباياها. والأغلب أن الالتزام بهذه المعادلة المستنزفة للأعصاب أسفرت عن أربعين ديواناً تمكن نزار من إنجازها في زمن قياسي، ينطوي، في الأغلب، على مكابدته الموت في الحياة ترجمة للحياة، والحياة تعبيراً عن حركة الموت في متاهات الحياة. ومع ذلك، هل كان من شأن هذه المعادلة أن تتخذ هذا المنحى "القسري" إذا جاز التعبير بين جدل الموت والحياة؟ الأرجح لا. كان ثمة تفاصيل يخترعها الشعر في حياة نزار القصيرة الطويلة تحيله، على الدوام، مشروعاً ناقصاً، أو قيد التكوين، أو متعثراً، أو يدور في تلك المتاهة، أو يختزن نقيضه، أو ينسف أسسه، أو يتنكر لذاته، أو يتسول لغته على قارعة الذاكرة، أو ينقلب على لغته. في حمى هذا التفاصيل المثيرة للهذيان، المتلهفة لملاقاة ظلال اليأس، المستنكرة لموت الشعر، المجبولة بفرح الشعر، كان نزار يولد ويموت متأرجحاً بين الفردوس والجحيم، بين النجاة والهاوية، بين الهاوية والهاوية، بين موت الكلمة قبل أن تولد وانفتاحها الكامل على الموت بعد الولادة.
تساؤل رتيب
ماذا بقي من نزار قباني بعد عشرة أعوام على التحاقه بأزمنة الرحيل حيث يبدو المشهد عارياً منطوياً على صمته، غامضاً بخرافة الشعر، منزوياً، حتى الأنين، في مساحات مشوشة من التجرؤ على اللغة وإعادة تشكيل الوقائع؟ تساؤل بديهي، على الأرجح، تطرحه المناسبة، بسذاجة مبتذلة، أكثر مما يفترضه المخاض الشعري الذي لم يكن لنزار أن يخرج من أتونه أبداً. ولأن هذه المناسبة محكومة بالشرط الزمني للغياب، وهو التعاقب الجبري للأيام والأشهر والسنين، يتحول هذا التساؤل ضرباً مملاً ورتيباً وشكلاً باهتاً للزمن المتهالك الزاحف بتباطؤ على هامش الزمن الشعري المتدفق في جسد اللغة وظلالها. يتعذر استخدام هذا التساؤل، على نحو من التطبيق التلقائي لمسألة في الرياضيات البحتة. ولو كان الأمر كذلك، لأصبح الشعر وتداعياته وفضاءاته شأناً علمياً تناقش ملفاته في المختبرات.
ومع ذلك، غالباً ما يُستدرج هذا التساؤل لأغراض انتهازية لا تتعلق بالشعر بقدر ما يراد بها النيل من هذا الشاعر أو ذاك، بوضعه مباشرة في مواجهة الزمن الجارف بقسوته وأحكامه المبرمة. وغالباً أيضاً ما يصار، في هذا السياق المجحف، الى اجتراح تسوية متعجلة لا تنتقص من جبروت الزمن، ولا تمعن في إهدار دم الشاعر، تسوية من نوع "الفتاوى" المنقوصة التي لا تتجرأ على المس بسلطة الزمن ورهبته، ولا تستوجب، في الوقت عينه، إدانة قاطعة للشاعر. بل تكتفي بإصدار أحكام ثقيلة مع وقف التنفيذ. هذا هو، على الأرجح، مآل الشاعر مع الزمن المتفوق بأسلحة لا تنفك تتكدس في مخازن وترسانات. بدليل أن هذا الأخير لا يحتاج أبداً الى محامين محترفين للدفاع عن آرائه الصارمة. بينما يصبح الشاعر خصماً ضعيفاً بعد رحيله يكاد يستجدي من حيث هو قابع في صمته البعيد، من في مقدوره أن ينفض عنه غبار التآكل السريع.
ماذا بقي من نزار بعد أن أصبحت تفصلنا عنه جبال بلهاء من نفايات الأيام وفضلات السنين؟ كل شيء، على الأرجح، بمقاييس الشعر. ولا شيء، على الأغلب، بمقاييس الزمن العربي الرديء المولع ببهرجة المنابر وصخب الأضواء وضجيج التصفيق الحاد الآتي من مقابر التاريخ ومحاكم التفتيش وطقطقة العظام المتحللة في أروقة الحنين الى الموت المجاني.
بقي كل شيء من نزار
يصعب القول، بالنسبة الى شاعر كبير كنزار، أن ثمة ملامح منه صمدت في وجه الرياح العاتية فبقيت على قيد الحياة. وثمة تجليات أخرى كانت ساطعة في حياته نتيجة لشخصيته الساحرة، فقدت بريقها بعد رحيله فذبلت وتلاشت ثم اندثرت. تقييم اعتباطي متسرع يلامس القشور فقط، وينأى عن المس بطبيعة الشعر وهو ينتفض على نفسه وغيره في حركة داخلية لا تهدأ تبدو أكثر عنفاً من وراء أسوار الموت المحصنة بالأسلام الشائكة. ومع ذلك، ثمة مساحات شاسعة مترامية الأطراف على الأغلب، يجول في أرجائها أصحاب هذه الآراء من ذوي الخبرة الرفيعة في التسويق لأميتهم القديمة الجديدة. يساعدهم في ذلك جيش منظم مكتمل العدة والعدد، يصطاد المناسبات كالعصافير كما يصطاد العسس في الليل أحلام الناس البسطاء، ليلقوا بها بعد ذلك في مكبات الأدراج والملفات باعتبارها بضاعة انتهت صلاحيتها. كم يبدو ظالماً بطاشاً ومرهوب الجانب، ذلك "الجهاز" المعقد بسلطته الفكرية في الوسط الثقافي العربي، عموماً، واللبناني على وجه الخصوص. غالباً ما ينبت هؤلاء في أرض قاحلة وعلى حين غرّة. لذلك تفتقر عيونهم الى بريق الشعر. وتلتمع في وجوههم الداكنة مسحة من الانتقام المدروس من كل عمل مبتكر ينقذ الذاكرة العربية من حالة الاغماء المستديمة.
هؤلاء وأمثالهم ونظراؤهم وموظفوهم ومن يتخرجون على أيديهم، هم من صنفوا نزاراً، على نحو من الافتئات والاصرار على ممارسة الارهاب الثقافي والفكري، في خانة شعراء النساء والجواري واستغلال الموروث الأنثوي لمصلحة الرجل ـ الذكر. منذ ديوانه الأول "قالت لي السمراء" الصادر في مطلع الأربعينات الماضية، انصرف هذا "الجهاز" من أدنى الوطن العربي الى أقصاه، الى تكريس نظرية مركبة في شعر نزار لم تكن مكشوفة بعد في تلك الأثناء المبكرة. زعموا أن نزاراً يتسلق على أكتاف النساء وأعناقهن ليحقق شهرة بأهون السبل وأبخسها وأكثرها انتهاكاً للقيم التاريخية للمجتمع العربي. أرادوا بذلك أن يلحقوا العار به، ثم يسقطوه بالضربة القاضية، وبعد ذلك يعلنوا، على الملأ، فوزاً تاريخياً مدوياً على هذا الوافد الجديد من المجهول ليعيث فساداً بمقدسات لم يمسّ بها من قبل.
بدا، في تلك المرحلة الملتبسة من الحياة السياسية والاجتماعية في الوطن العربي، أن ثمة مهام جسيمة يتعذر تأجيلها تفترض بالضرورة تحركاً حاسماً وسريعاً من قبل السلطة السياسية الثقافية قبل أن تلفت الأمور من القبضة الحديد. والأرجح أن هذه النخب التي كانت تتأهب للامساك بمقاليد السلطة بعد أن أوشك الاستعمار القديم على الرحيل، وجدت في نموذج نزار قباني بعضاً من ضالتها المنشودة. بدت بأمس الحاجة إلى افتتاح معركة حقيقية ضد هذا الشاعر الآتي مع الريح النقية إلى مصاف التأثير المباشر في حياة الناس وتقاليدهم وطرائق تفكيرهم. والأغلب ان هذه النخب ومن يدير أعمالها وشؤونها في الوسط الثقافي، كانت تسعى إلى مواجهة غير اعتيادية، إلى صدام يزلزل الأرض من تحت اقدام نزار وتلك الفئة من المثقفين الجدد الطامحين إلى حياة سياسية اجتماعية اكثر رقياً وانسجاماً مع حقائق العصر الجديد. على هذا الاساس من منازلة خُطط لها على نحو كبير من التعبئة الاجتماعية والدينيةالمضادة، سُلطت الأضواء الكاشفة عليه للإيحاء بخطورة المعركة التي تخاض ضده، من جهة، ووجوب تحقيق نصر ساحق ما حق فوري عليه، من جهة ثانية، كانت الأجواء ملبدة بالفعل بين الفريقين، زادتها احتقاناً واشتعالاً ان النخب التي كانت تشرف على "سير العمليات" كانت تراهن بكل رصيدها، في الأغلب، ومعها من معها، لضمان النتيجة المتوخاة. لا عجب، في هذا السياق، أن نعت نزار بصفات والقاب كما طاولته تهديدات مغرضة، تشير بما لا يقبل الشك، إلى استماتة النخب التقليدية في تهميشه أو حمله على اعلان توبته أو اذلاله في أحسن الأحوال.
ليس هبة من السماء
شكل نزار، بدءاً من أربعينات القرن الماضي، حالة نموذجية والأرجح استثنائية بكل المعايير، لما يمكن أن تؤول اليه أي مواجه بين السلطة، بأشكالها كافة، وشاعر بهذا الحجم والطراز والتطلعات. والحق يقال إن مبارزة كهذه لم تكن تجري على نحو متكافىء بين المعسكرين، إذا جاز التعبير.
ظنت النخب، للوهلة الأولى، أن نزاراً كان هبة من السماء أشبه بمناورة محسومة العواقب من شأنها ان ترسي قيماً ثقافية واجتماعية خالية من القلق والشظايا الفكرية القاتلة، في حال تم القضاء على هذه الظاهرة "الشاذة". في المقابل، بدا ان نزار كان يوجّه ضربة لم تكن في الحسبان، أذهلت الرأس الذي لم يتقبلها بروح رياضية. جرت الرياح بما لم تشته السفن. ادركت السلطة ونخبها ان نزاراً لم يكن هبة من السماء بل حمماً من الجحيم. بدليل ان المعركة التي أرادتها النخب المترهلة ضارية جداً لتسفر عن نتائج لمصلحتها من الوزن الثقيل جداً، كانت ذات مفاعيل معاكسة بالكامل. انقلب السحر على الساحر. راحت النخب تستعد لتقبل الخسارة في الجولة الأولى من دون أن تتجرأ على اعلان هزيمتها. وخرج نزار من هذا الصدام معافى إلى حد كبير مع إصابات طفيفة لم تضعف من عزيمته وإن لم يتجرأ كذلك على اعلان انتصاره الكبير.
أسفرت تلك المواجهة الصاخبة بين "الخندقين" عن ظهور حقائق جديدة على ارض الصراع بين السلطة السياسية بنخبها المختلفة التي تدور في فلكها وتطمئن الى كنفها، والطبقة الثقافية الناهضة من تحت انقاض التخلف والابقاء على الأمر الواقع كما هو. شكل نزار اثناء عقد الاربعينات الى جانب نفر من الشعراء والمفكرين والكتاب في الوطن العربي، وتحديداً في لبنان ومصر وبلدان عربية قليلة أخرى، مختبراً عملياً للكيفية التي ينبغي من خلالها الفوز في معارك مماثلة، او عدم الوقوع في شرك الهزيمة في أسوأ الأحوال. كان من أولى النتائج المباشرة لخروجه سليماً من هذا الفخ الذي نصب له بأحكام، ثم تبين أن فيه من الغباء ما ينسفه من جذوره، ان تعززت الهوية الثقافية للطبقة المذكورة. إذ أصبح بمقدورها أن تناور السلطات التقليدية على نحو لا يفقدها ثقتها بنفسها وتشبثها بمشروعها الثقافي المختلف.
ومع ذلك، لم تحل هذه النقلة النوعية، على صعيد آخر، دون أن تقدم سلطات الأمر الواقع السياسية والاجتماعية على تعزيز مقاومتها المضادة لتبقى يقظة أمام حالات طارئة كنزار وسواه. والأرجح أن هذه السلطات خرجت من هذه المواجهة النموذجية أكثر قوة وتماسكاً وأقل ضعفاً وتشتتاً من ذي قبل. أصبح الشعر بمضمونه التغييري لمفاهيم الوجود الانساني، وكذلك الانقلابي اذا جاز التعبير، على رأس قائمة مصادر الخوف على المصير والخشية ممّا يخبئه المستقبل، على هذا الصعيد. لربما شكل افلات نزار من العقوبة الفورية التي كانت مخصصة له في تلك الأثناء، فرصة سانحة لرصد زملاء لنزار والتربص بهم بغية الايقاع الاستباقي بهم. من تداعيات هذه القضية التي تخللها ولا يزال كرّ وفرّ بين الفريقين منذ عقود مديدة، ان هذه السلطات لم تقرر، حتى اليوم، الإفراج عن الشعر، بالتحديد، من الأحكام الاتهامية المسبقة. لا يزال الشعر حتى اللحظة شبحاً مرعباً تنبغي مطاردته على مدار الساعة للحد من خطورته، والا فتدجينه لترويضه وافراغه من محتواه الانساني ليتحول ثرثرة تافهة على اعتاب من يهمهم الأمر.
شاعر المرأة وأكثر
هذا بعض ما بقي من نزار، على الأرجح، بعد عشر سنوات على رحيله. اما بعضه الآخر فيتمثل في ما أُلصق به من تهم لم ينكرها نزار، بل اتخذها ذريعة لمحاربة "اعداء" الشعر والمتوجسين ريبة منه بسلاحهم كما يقال. لم يكن مبالغة، في الأغلب، ان يوصف نزار، على نحو من التسبيط الساذج أو المتعمد أو على نحو لا يقصد به التجريح من قبل بعضهم، بأنه شاعر المرأة العربية بالتحديد. لا ضير في ذلك على الاطلاق. لم يعرف عن نزارأبداً انه تذمر من هذه التهمة، او أنها حملته على الاحساس بعقدة الاضطهاد والمعاناة المجحفة من ارهاب فكري كهذا. على النقيض من ذلك، بدا ممتلئاً نتيجة لذلك، بشعور من التفرد غير المسبوق بأنه اصبح قبلة لانظار النساء في الوطن العربي قاطبة. ومع ذلك، كان نزار يتعقب احلامه بصمت الشاعر الكبير في واد، والآخرون يطاردون شياطينهم أو تتربص بهم شياطينهم في واد آخر. استمرأ نزار في البدء الوصف الذي أُطلق عليه بأنه شاعر المرأة، ثم لم يلبث ان اقتنع به، على الأغلب، وبعد ذلك اتخذه عنواناً، في الشكل على الأقل، للمضي في الاعلان عن تجلياته الشعرية واعادة اختراع الذكرة العربية المعاصرة.
ومع ذلك، بدا ان هذا التصنيف الذي أُدرج فيه اسم نزار اعتباطي وسخيف من الدرجة العاشرة. حتى ان النقاد من ذوي السمعة الحسنة والثقافة المنفتحة على قيم الحداثة ومرتكزاتها الانسانية، بدوا مترددين، بشكل أو بآخر، في شطب اسم نزار من قائمة التصنيفات الايديولوجية العقيمة التي قد تتحول في اي لحظة الى قائمة سوداء تخضع اسماؤها للمساءلة. والغريب، للوهلة الأولى، ان نزار نفسه ساهم في تكريس هذا التصنيف. لم يسئه ان يتوج شاعراً ملكاً على عرش النساء، يتسلل، على مرأى من الجميع، الى مخادعهن، يتدخل في ازيائهن، يخضعهن لشروطه الصعبة، يعيد تشكيل ذاكرتهن، يفرض عليهن مفاهيم من الزمن القادم، يحرقهن بكلماته ثم يفشل في اخماد ما يلحقن به من حرائق، ولكن لم يكن هذا الأمر مبتغاه الوحيد على الأغلب. كان ثمة سبب آخر يدور في خلده من وراء كواليس الذاكرة المعلنة تجعل منه شاعراً متفرداً بهواجس المرأة والتباساتها، وفي الوقت عينه شاعراً يستنجد بالمرأة ليحقق مآرب اخرى. ادرك نزار منذ الزوبعة التي اثارها ديوانه الأول "قالت لي السمراء" ان تقصير المسافة بين الشعر وحالة الركود المتوارثة في المجتمع العربي، لم تكن لتحدث بالشكل الأمثل من دون المرور "الاجباري" في عالم المرأة ومحظوراتها وانكساراتها التاريخية اضافة الى الذعر الذي كانت ولا تزال تسببه في اوصال المجتمع ومقوماته وروافده.
لم يمانع نزار، في نهاية المطاف، بأن يمنح هذا اللقب بامتياز. غير انه لم يرتض لنفسه ان يكون شاعراً للمرأة العربية وفقاً للصورة النمطية التي كانت سائدة منذ ان اصدر ديوانه الاول المذكور، ارتأى، بدلا من ذلك، ان يعيد انتاج هذه الصورة المبتذلة على نحو ينسجم تماما مع تصوراته الذاتية في بيئة اجتماعية مغلقة في الاساس زادها اختناقا وتأزماً خلو الساحة الفكرية الاجتماعية، وقتئذ، من مشاريع حقيقية للاقتراب من الحداثة الانسانية المعاصرة، في هذا السياق، بدا لنزار ان استدراج المرأة الى ملعب الشعر، امر من شأنه ان يشرع في تكسير القشرة السميكة للمحظورات التي اسقطت على المرأة من خارج طبيعتها وهويتها الانسانية. كان هذا التصور، في حد ذاته، كفيلاً بانزال المرأة من زنزانتها العاجية وتحريرها من قيود العقود الشفهية والمكتوبة التي صاغها الاجتماع العربي عبر قرون من التخلف والانعزال والاعجاب النرجسي بالذات الموهومة. بدت المرأة العربية مؤسسة مكتملة الشروط والضوابط التي نصت عليها سلطات الامر الواقع منذ ان انقطع العرب عن العالم. اصبحت نصا يستحوذ على "قداسة" سلبية يجري تداوله من جيل الى آخر. كلما ازدادت هذه المؤسسة ضعفاً وانهياراً تعاظمت اهميتها لتنفرج اسارير الرجل الممسك بمقاليد السلطة.
التجرؤ على المؤسسة
استهدف نزار بشعره الجريء بمقاييس تلك المرحلة الملتبسة، هذه المؤسسة على وجه التحديد. جعلها عرضة للانتهاك والطعن بصدقيتها الفارغة. احاطها بالشكوك والظنون والارتياب، جاعلاً منها بلغة الرؤية الشعرية امراً مستباحاً للغاية على المستوى السياسي الاجتماعي، تجرأ على المس بمحظورتها على نحو لا يتعلق ابدا بالدعاوى الفكرية والتنظير الايديولوجي والتربوي. لم يسع نزار الى الاضطلاع بدور المصلح الكبير قاسم امين الذي دعا، بالفكر والمنطق والتطور الاجتماعي، الى تحرير المرأة ليتحرر المجتمع بأسره، نزار سلك درباً اكثر سهولة ونفاذا لالقاء الرعب في من سلطوا انفسهم اوصياء محلفين على "قداسة" هذه المؤسسة، استخدم سحر اللغة بما تنطوي عليه من فتنة وافتتان هما احيانا اشد من القتل وأكثر عنفاً من وقع الافكار الثقيلة. أرسل اللغة في باديء الامر، في نزهة عابرة لتقصي احوال المرأة العربية وهي تتدثر باغلال التاريخ وتستحم بمياه المستنقعات الأسنة. فاذا بهذه اللغة لا تخيب رجاءه. اثبت نزار في تلك المرحلة المبكرة نسبياً ان اللغة ليست متاعا يعرض على المنابر الخطابية فقط، بل وسيلة فاعلة للتعبير عن تفاصيل المراة واشيائها الصغيرة والكبيرة. كانت المحصلة، اضافة الى استدراج المرأة الى دائرة اللغة الأخرى المتكتم عليها، هزة مرعبة للمؤسسة السياسية وأجهزتها الثقافية والفكرية والتربوية. دخل نزار، عبر المرأة، الى السياسة في عقر دارها. ونجح على نحو غير مسبوق في تلك الاثناء، في استعادة المرأة الى كينونتها الانسانية التي حرمت منها بشكل متعمد.
إعادة إنتاج المرأة العربية
راح نزار، بعد ديوانه الاول، يعيد انتاج المرأة العربية باللغة، كما يعيد انتاج اللغة بالمرأة العربية، بدا هذان الطرفان توأمين يتعذر سلخ احدهما عن الاخر، والأغلب ان المرأة في شعر نزار كانت تتحول باستمرار لغة في قلب اللغة وظلا من ظلالها الكثيفة. حلت اللغة في جسد المرأة. وحلت المرأة في جسد اللغة. ولأن لغة الشعر تنحو بطبيعتها الداخلية منحى متحولا على الدوام، بدت المرأة العربية كذلك معرضة لتتحول من شكل الى آخر. ولأن اللغة كذلك مشروع ناقص ما ان يشعر بالاكتمال حتى ينقلب على نفسه، وقد يعمد الى تفجير نفسه احيانا حتى لا يموت بالسكتة الدماغية، كذلك بدت المرأة مشروعاً ناقصا يفتقر الى الكمال ويتمرد على القوالب الجاهزة. أصابت هذه التطورات المؤسسة الاجتماعية في تلك الأثناء بالذعر، حيناً، وبنوبات من القلق الهستيري احياناً أخرى. وذلك لسببين جوهريين، اولهما ان اللغة وهي المؤسسة الأم وكبرى المرجعيات المجيرة بالكامل لابقاء الأمر الواقع على ما هو عليه، لم تعد كذلك، اصبحت طوفاناً تغرق كل شيء بمياه عذبة نظيفة لا اثر فيها لمياه المستنقعات الآسنة. والثاني ان اللغة بأشكالها الشعرية على الأقل قد طاولت بسحرها العجائبي المرأة وهي اكثر المؤسسات رسوخا وتجذراً في تربة التقاليد الصارمة.
الانقلاب الأخطر الذي قاده نزار بشعره، تمثل، على الأرجح، في دواوينه الأولى وصولاً الى قصيدته المدوية "خبز وحشيش وقمر" في منتصف الخمسينات الماضية. بدت الطريق، بهذه القصيدة، ممهدة جيداً للغة شعرية بمقدورها ان تتسلل خفية وعلانية الى سائر المؤسسات التي ضرب من حولها اجهزة الرقابة والمنع وحواجز التفتيش ومصادرة الاشياء والأرواح. شكلت هذه القصيدة التي راحت تسمي ادوات التخلف والقهر واعتقال الحريات والافراج عن الأوهام الكاذبة بدلا من الحداثة والتنمية الانسانية الشاملة، مفترقاً حقيقياً في توظيف اللغة الشعرية في السياق الشعري اولا وأخيرا. والأغلب ان الأفكار بخلفياتها الايديولوجية تنظيراتها النمطية ومفاهيمها السياسية الجاهزة والمبتكرة لم تتمكن من النيل من لغة نزار الشعرية. بدت هذه الأخيرة عصيّة على ان تضحي بالصورة الشعرية المتحولة مقابل اي شيء آخر او اثمان مهما بلغت قيمتها. على النقيض من ذلك، بدا ان كل شيء قابل ليتحول معنى شعرياً منسجما مع الفضاء الشعري للقصيدة ومتدفقاً في الان عينه في شرايينها وتضاريسها القريبة والبعيدة، لم يرتكب نزار حماقة من هذا النوع حتى وان بدا في قصائده السياسية مضطراً لاقحام الفاظ او مصطلحات ذات مادة لغوية صلبة، فانه لم يبادر الى اسقاطها عنوة او استسهالا من دون ان يحدث فيها تحولا يستجيب بالضرورة للسياق الشعري العام.
على هذا الاساس، بدا نزار قادرا على التسلل برشاقة الى سائر المفاهيم والبنى الاجتماعية والسياسية والمحظورات المغلقة على نفسها في صناديق التاريخ والأعراف والتقاليد.
كان يفعل ذلك من دون استئذان، مستدرجاَ اياها جميعا الى بيت الطاعة اللغوي. ادرك نزار مبكراً السلطة الخارقة التي يمتلكها الشعر في تغيير ماهية الاشياء واعادة تشكيلها على نحو مغاير، من دون ان يقدم على جعل اللغة مؤسسة اخرى لعبادة الاصنام. بدلاً من ذلك، بدا مسرفا، على الأرجح، في تحطيم اصنام اللغة تمهيداً لاطلاقها في فضاءات مغايرة للرؤية الشعرية.
ماذا بقي من نزار بعد سنوات الرحيل؟ كل ما سبق، على الأرجح. وأهمه، على الاطلاق، اغراء اللغة، بالصورة الشعرية المتدفقة في مجرى الحلم العربي الكبير، لحملها على تقديم استقالتها من وظيفة المؤسسة والقائها بعد ذلك في متاهات الحياة: في الشارع، في مخادع النساء، في الأروقة المشبوهة لصنع القرار السياس، في احلام الأطفال، في فساتين النسوة وأحمر الشفاه، في اوكار الشياطين والأبالسة، وفي جحيم الملائكة كذلك. لم تعد اللغة، بنبضها الشعري المتغير على الأقل، مرذولة، او مواطناً عربياً من الدرجة الثالثة، او من فئة المنبوذين، او المرضى المستبعدين من دائرة الحياة. انهارت اللغة في السياق الشعري لنزار لتنهار معها على الفور سائر "المؤسسات" التي بدا ان القيمين عليها صنعوها من مادة صلصالية هشة سريعة العطب. رحل نزار مخلفا وراءه لغة شعرية لا تكترث بالبحث عن هويتها والعثور عليها، بل تدفعها المغامرة الى الاقتراب من حافة الهاوية والسقوط فيها لتولد من جديد من رحم الموت. ثم لتموت ثانية في رحم الحياة.
أبجدية الياسمين
ولد نزار قباني في 21 آذار ـ مارس من العام 1923، في أحد بيوتات دمشق القديمة. والده توفيق قباني من رجالات الثورة السورية. حصل نزار على الشهادة الثانوية من مدرسة الكلية العلمية الوطنية في دمشق، ثم التحق بكلية الحقوق في الجامعة السورية وتخرج في العام 1945. عمل بعد ذلك في السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية السورية وتنقل بين سفاراتها في دول عديدة. وظل كذلك حتى استقال من عمله في العام 1966. انتقل بعد هذا التاريخ الى بيروت حيث أسس داراً للنشر تحمل اسمه وتفرغ للشعر.
بدأ يكتب الشعر وهو في السادسة عشرة. أصدر أول دواوينه "قالت ليس السمراء" في العام 1944 وكان لا يزال طالباً جامعياً. له ما يزيد على الأربعين ديواناً شعرياً، إضافة الى عدد من الكتب النثرية، من بينها: "قصتي مع الشعر"، "ما هو الشعر"، "مئة رسالة حب".
فجع نزار بوفاة ابنه توفيق من زوجته الأولى، زهرا ابنة عمه، وهو في السابعة عشرة مصاباً بمرض في القلب وهو لا يزال طالباً في كلية الطب في جامعة القاهرة. رثاه نزار بقصيدة شهيرة هي: "الى الأمير الدمشقي توفيق قباني".
فجع من جديد عندما قضت زوجته العراقية الثانية، بلقيس الراوي، في تفجير مزلزل تعرضت له السفارة العراقية في بيروت، ورثاها بقصيدة مؤثرة جداً لم يسلم منها نظام عربي واحد، وكانت بعنوان "بلقيس". أحدثت هزيمة العام 1967 شرخاً عميقاً في نفسه حملته على كتابة ما يسمى الشعر السياسي. ومع ذلك بقيت هذه الكتابات على هامش شعره في المرأه العربية وأحوالها المتردّية.
بعد مقتل بلقيس غادر بيروت فتنقل بين باريس وجنيف الى أن استقر به المقام في العاصمة البريطانية، لندن، حيث قضى سنواته الأخيرة؟ وافته المنية هناك، وأسلم الروح في العام 1998.
من دواوينه: قالت ليس السمراء، الرسم بالكلمات، كتاب الحب، هكذا أكتب تاريخ النساء، حبيبتي، رسالة حب، أحبك والبقية تأتي، طفولة نهد، كل عام وأنت حبيبتي، أحلى قصائدي، قصائد، كتاب الحب.
وصدر له أخيراً ديوان بعنوان "أبجدية الياسمين" في مناسبة ذكراه العاشرة. ويتضمن نصوصاً شعرية كتبها نزار بين عامي 1997 و1998
جريدة المستقبل كانون الثاني 2005
قباني وهوس الحرائق..رؤية نفسية
بتاريخ : السبت 19-06-2010 04:06 صباحا
شوقي يوسف بهنام
إذا كنا في محاولة سابقة (1 ) قد سلطنا شيئا من الضوء على بعض الخفايا النفسية لدى الشاعر نزار قباني ، فإننا في هذه المحاولة سنمضي في ذات الطريق ونكشف المزيد من تلك الخفايا التي كان الشاعر يعاني منها إذا جاز لنا قول ذلك . وما يشجعنا من أن نتناول في هذه المحاولة ، فيما يراه الأطباء والمحللون النفسانيون بشأن ظاهرة هوس الحرائق أو الرغبة الجامحة في إشعالها والتلذذ بالنظر إليها والذي يطلق عليه Pyromania هو علاقته بالفيتيشية .
وهو اضطراب جنسي كنا قد وجدنا جذوره لدى شاعرنا .
وسنقف عند الوصف الذي قدمه الحفني في موسوعته الخاصة بعلم النفس والتحليل النفسي . حيث يقول عنه ( نزوع لا يقاوم الى إشعال الحرائق ، ويصاب به الذكور أكثر من الإناث ، سواء بين البالغين أو الأطفال . ووجد كومب "1964 " إن الأعراض تظهر عادة في سن السادسة ، وقد تستمر حتى الرشد ، وكل الأطفال المصابين به ينحدرون من بيوت منهارة ، سلبوا العطف ، منبذون ، تنقلوا من بيت إلى بيت أو تربوا في الملاجئ ، وكثير منهم اقل من المتوسط ذكاء ، قد مارسوا أنواع السلوك المنحرف ، تاريخهم مليء بالهروب من البيت والمدرسة وبالسرقة وينتشر بينهم الإصابة بالتبول الليلي . وترى البعض إن هوس الإحراق انحراف جنسي يرتبط بالفيتيشة ، ودوافعه الأساسية هي الإ شباع الجنسي . ( 2 ) . ويرى ( أوتو فينخل ) وهو من الشارحين الكبار لنظريات التحليل النفسي : إن الولع بالنار وإشعال الحرائق ( البيرومانيا) ظاهرة مقترنة بالهياج الجنسي ، حيث يقول ( أن الهياج الجنسي عند رؤية النار ظاهرة عادية عند الأطفال . وليس من اليسير تفسيرها .ويكشف التحليل عن فاعلية الحفزات السادية ، التي تستهدف تدمير الموضوع ، وعن فاعلية اللذة الجلدية بتأثير دفء النار . ولكن بالإضافة إلى ذلك ، فثمة شئ أكثر نوعية فيما يتصل بالهياج الجنسي الذي تثيره النار . فبصورة منتظمة نلتقي بعلاقة تستقر عميقة مع الشبقية البولية . وقد اتخذ ( فرويد ) من ذلك منطلقا لافتراض تأملي عن اصل الاستخدام الثقافي للنار . فبنفس الطريقة التي توجد بها انحرافات كوبروفيلية تقوم على الشبقية البولية ، فكذلك ايضا يمكن أن تنشأ انحرافات تقوم على مشتق الشبقية البولية ، التلذذ بالنار ؛ فاللذة في إشعال النار ( في الواقع أو الخيال ) يمكن ان تصبح الشرط الذي لا غنى عنه للاستمتاع الجنسي . ففي انحراف إشعال الحرائق ، تحكم الحفزات السادية الشديدة الحياة الجنسية ، وتعمل القوة التدميرية للنار كرمز لشدة الحفزة الجنسية . فالمرضى يعجون بالحفزات الانتقامية ، هذه التي تدين بشكلها الخاص لتثبيتها على الشبقية البولية . وكما هو الحال في الأعصبة الاندفاعية الأخرى فإن الهدف النمطي لهذه العدوانية هو إكراه الموضوع على تقديم الحب أو الرعاية اللذين يحتاجهما ، نرجسيا ، المريض . (3 ) . ويعد فينخل من أفضل من قدموا شروحات عن نظرية التحليل النفسي ، ولذلك فأن هذا التعريف الذي قدمه هذا الشارح يعتبر وجهة نظر التحليل النفسي . و لا يتسع المجال للخوض في تفاصيل هذا النمط السلوكي على ضوء النظريات اللاحقة لمدرسة فرويد . والذي يتابع تاريخ تطور هذا التيار سيلاحظ ان مقولة ( جاك لاكان ) ؛ المحلل النفسي الفرنسي والتي اعلنها منذ بداية منتصف القرن الماضي والقائلة ( العودة إلى فرويد ) ما زالت بهذا القدر من الفعالية والأهمية للعاملين في مجال التحليل النفسي ، تنظيرا وممارسة . وهذا يعني ان التحليل النفسي لا يزال ، وبجدارة ، يتبوأ مكانة متميزة على عرش مدارس علم النفس ، لاسيما في مجال ديناميات الشخصية ومجال الأمراض النفسية والعقلية معا . و لا يخرج ( غاستون باشلار ) عن هذا التصور في كتابه " التحليل النفسي للنار " إذ يحلل النار على انه مثقلة بالرمزية الجنسية . إذ الانتصار على النار هو انتصار جنسي .. فالرجال الأول انتجوا النار بحك قطعتين من الخشب الجاف .. الاحتكاك تجربة أضيفت عليها الصفة الجنسية بقوة .. (4 ) وقد درس ( ج . ب . بايارد ) المصابين بهوس الاحتراق ويستنتج هذا الباحث أن للنار معنى عميقا ، متعلقا بالروح البشرية ، روح الحياة المتطهرة ، أي الحياة الروحانية ، وكذلك هي رمزيتها ، وفق منظور هذا الدارس ، في الأساطير والفلكلور العالمي ( 5 ) . ولسنا ، هنا ، في معرض تقديم عرض كامل للأدبيات المتعلقة برمزية النار ، بقدر ما نريد الانطلاق من التصور الفرو يدي ، حصرا ، لقراءة بعضا من النصوص الشعرية للشاعر نزار قباني . وما من شك ، فأن هذه العينة من النصوص الشعرية في الدراسة الراهنة ، ليست من الشمولية ، بحيث يمكن القول أنها قدمت صورة تامة عن نزار على كونه حارقا ومحروقا ... أي مصابا بهوس الاحتراق . ولنبدأ رحلتنا هذه بالمقاطع الأخيرة من قصيدة " حبيبة وشتاء " لكي نرى ماذا يمثل النار أو الحريق بالنسبة لشاعرنا . يقول :-
انا كالحقل منك ِ .. فكل عضو
بجسمي ، من هواك ِ ، شذا يضوع َ
جهنمي الصغيرة لا تخافي
فهل يطفي جهنم مستطيع ؟
فلا تخشي الشتاء و لا قواه
ففي شفتيك ِ يحترق الصقيع
هل نحتاج إلى وقوف طويل أو قراءة متأنية للنص ؟ الشاعر صريح في وصف مشاعره إزاء حبيبته .. يقول بصراحة بأنه الحقل .. وكل أعضاء جسمه تفوح منها أهواء حبيبته . يصف حبيبته بأنها الجهنم الصغيرة .. ويعتقد الشاعر بأن ما احد يستطع إطفاء نيرانها .. حتى صقيع الشتاء يحترق في شفتيها .. وما صقيع الشتاء إلا الشاعر وجسمه . تذكرنا هذه الصورة عن الجسم وأعضائه ، بصورة أدونيس عن جسمه ، ولكن صورة كل منهما تختلف عن الآخر . فعند أدونيس : كل أعضاء جسده نخيل .. بينما نزار ، فأعضائه مفعمة بأهواء حبيبته . بمعنى آخر ، فأن أعضاء نزار خاوية .. فارغة الا من أهواء حبيبته . وهو بهذا المعنى ، بارد كل البرد . ولكن نيران الشفاه هي المحرقة . وفي هذا المعنى يقول :
أنت ِ كرمي الدفيق .. لو يعبد الكرم
عبدت النيران في أعنابك
و لا يزال الشاعر هنا يرزح تحت ماسوشية النار . لقد وصل إلى مستوى التذلل والانكسار أمام هذه النيران .. ومع هذا الانكسار والتذلل ، يعيش اسعد لحظاته ..
وما عتبت على النيران تأكلني
إذا أحترقت فإن الشهب َ تحترق
( المرجع نفسه ، ص 94 )
هنا في هنا البيت يصور لنا الشاعر نفسه عبارة عن حطب تلتهمه النيران التهاما ، وهو مع ذلك سعيد بذلك الالتهام ، حتى أن حرق الشهب لا يقارن بحرائقه . ولكن في نص آخر يستغرب الشاعر عن سر سعادة حبيبته بإحراقه هكذا . يقول :
أحرقتني .. ومضيت ِ كاذبة
قولي . أتلتذين في حرقي
هنا ، الشاعر يبدو معاتبا لأنه اكتشف كذب الحبيبة . هو لم يندم على عذابات الاحتراق قدر ما هو حزين على كذب مشاعرها .. ويستمر الشاعر في مناجاة حبيبته في نفس الإطار . يقول :
وكان ثغرك ِ أحطابي .. وموقدتي
قولي . أأفرغت في ثغري الجحيم وهل
من الهوى أن تكوني أنت محَرْقتي
( المرجع السابق ، ص 156 )
لا يزال الشاعر يعيش تحت وطأة نيران الحبيبة ، فهي قد أحرقته . ويخصص الشاعر قصيدة معنونة ( النار ) يصف لنا فيها لوعته وشوقه إليها :
أحبها . أقوى من النار
اشد من عويل إعصار
أقسى من الشتاء حبي لها
فيالها من دفق أمطاري
لو مر تفكيري على صدرها
حرقتها حرقا بأفكاري
حدجتها بعين جزار ِ
لا يعرف الحدود حبي لها
كأنها تجري بأغواري
أريدها وحدي .. فلا يدعي
غيري هواها .. تلك أطواري
هنا الصورة مقلوبة تماما . فإذا كان الشاعر ، كما رأينا ، في المقاطع السابقة ، قد احترق بنار الحبيبة ، نراه هنا ، يلتذ بأن تكون الحبيبة محترقة بنيران أفكاره حرقا . وها هو الشاعر يقول :-
هنا الشاعر كتلة صرفة من حطب وفحم ملتهب . مرة حارق وأخرى محترق . وفي قصيدة جميلة بعنوان " المدخنة الجميلة " يقول :-
حارقة التبغ .. اهدأي فالدجى
من هول ما أحرقت إعصار
تلك الأصابع التي ضوأت
دنياي ، هل تمضي بها النار
النار في يمناكِ مشبوبة
إن أطفأتها الريح لا تقلقي
أنا لها الكبريت والنار
هنا ايضا الشاعر يتبادل الأدوار بين الاحتراق والإحراق . ويقول ايضا:-
محبتي نار فلا تجني
لا تفتحي نوافذ السعير
وهناك تشبيه واضح ، يربط الشاعر بين الجنس والكبريت ، حيث يقول في قصيدة " مشبوهة الشفتين " :-
وغريزة الكبريت في طغيانها
ماذا ؟ أيكظم ما به الكبريت ؟
في كل هذه النصوص التي توقفنا عندها وسوف نقف عند أمثالها في وقت لاحق توضح نزعة الاحتراق الذاتي ، أعني وجود نزعات لإحراق الأنا لأناها أي نزعة مازوخية نحو الأنا . ويقول أيضا :-
صوتك ِ القادم من خلف الغيوم
سكب النار على الجرح القديم
فاتركيني لدخاني وهمومي
( نفس المرجع ، ص 407 )
هنا ايضا نفس الإحساس بأنه كتلة من الدخان ... وهذا منتهى الانكفاء على الذات .. ويقول ايضا :-
وتلتهم النيران كل مزارعي
( نفس المرجع ، ص 418 )
إذن نزار ، هنا ، مجموعة مزارع ملتهبة قد لا تنطفئ أبدا ومن هنا سعادته . في الاستمرار في الحرائق تكمن لذته .. ولا تقف تلك اللذة على جسده أو كيانه بل يريد من التاريخ نفسه ان يشعل بالحرائق . يقول الشاعر :-
إني أحبك ِ . كيف يمكنني ؟
أن أشعل التاريخ نيرانا
تلك هي إذن أمنيته . هنا نقلة من حرق الذات إلى حرق العالم . فما قيمة العالم بذات محروقة . إذن فليحترق العالم .. و تبا له !!!!!!!!! . وفي هذا المعنى يعبر عن غضبه فيقول :-
وأحرقت‘ خلفي جميع المراكب
( نفس المرجع ، ص 671 )
لقد حرق كل المراكب لكي يبقى القارب الوحيد في بحر هذا العالم . وهو هنا الحارق الأكبر !! ويظل العالم بكل تفاصيله ... حتى حبيبته كتلة من نار . فيقول :-
آه ِ يا نـــــــاري .... وأمطاري ..
حبها له نار وحرائق .. مع هذا الحب بدأ بتذوق هذه الخبرة .. اعني النار والحرق .. فيقول :-
لم يحدث أبدا سيدتي
أن ذقت‘ النار .. وذقت الحرق
( نفس المرجع ، ص 682 )
هنا صار الشاعر يعرف ما هو النار .. لقد احترق بلهيبه . ولذلك لا يرغب الشاعر أن يرى الإ من خلال النار والدخان . أصبح النار هو الطريق إلى العالم . يقول :-
أريد أن تراني . .
ومن خلال النار والدخان
يشعر ان هواها .. أو يكتشف .. انه عود من الكبريت .. ولكنه أشعله .. لم يكن ليشعله لو انه عرف انه عود من الكبريت . يقول : -
لو كنت‘ انه ..
عود من الكبريت . . ما أشعلته ‘
ويؤكد نفس الصورة عن هذا الهوى .. فيقول :-
لو أخبروني أنه . .
سيضرم النيران في دقائق
ويقلب الأشياء في دقائق
ويصبغ الجداران بالأحمر والأزرق في دقائق
لكنت‘ قد طردته
وتنتهي رحلته معها بوصف نفسه ببركان مشتعل . فيقول :-
وقاوميني ، بما ، بما أوتيت ِ من حيل ٍ
إذا أتيتك ِ كالبركان مشتعلا
تلك كانت المفردات التي تحمل دلالات النار والاحتراق ، كما رأينا ، في المجموعة الكاملة – المجلد الأول . وهذا لا يعني إننا نكون حكما قطعيا على شخصية هذا الشاعر بأنه مصاب بهذا النوع من السلوك المرضي بصورته الإكلينيكية التي نجدها لدى هذه الفئة من المرضى . ومع ذلك يمكننا القول أن هذا لا يلغي أو لا يمنع بشكل أو بآخر بأن يكون شاعر يمتلك السمات أو الاستعدادات لذلك . وهذه السمات تتمثل بهذا القدر الذي توقفنا عنده من النصوص في هذه الصفحات . وكان يتأرجح بين التلذذ بالحرق ذاتيا ، تارة وحرق الآخر تارة أخرى . وقد تكون اللذة في الحالتين متساوية في الكم لكن مختلفة في الاتجاه . وهذا الاختلاف ، في تقديرنا ، يعود إلى موقع الشاعر في سياق العلاقة وبنيتها . فإذا كان هو المهيمن كان في هذه الحالة حارقا ونارا وبركانا ، بينما إذا كان قد وقع تحت تأثير الآخر الطاغي فتكون لذته بأن يكون محروقا ودخانا ورمادا . وإحصاء آخر لمجموعة أخرى قد تكشف المزيد من هذه الجدلية التي يعيش تحت رحاها هذا الشاعر المسكين .
الهوامش :-
* قباني ، نزار ، الأعمال الشعرية الكاملة ، المجلد الأول ، منشورات نزار قباني .
بهنام ، شوقي يوسف ، نزار قباني فيتيشيا ، موقع الندوة العربية للشعر
د . الحفني ، عبد المنعم ، 1987، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ،
دار العودة ، بيروت ، لبنان مجلد 1 ، ص 194 .
فينخل ، أوتو ، 1969 ، نظرية التحليل النفسي في العصاب ، ترجمة : د. صلاح مخيمر- عبده ميخائيل رزق ، مكتبة الانجلو المصرية ، ص 703 .
باشلار ، غاستون ، 1984 ، النار في التحليل النفسي ، ترجمة : نهاد خياطة ، دار الأندلس ، جميع صفحات الكتاب تقريبا.
سيرينج ، فيليب ، 1992 ، الرموز في الفن - الأديان – الحياة ، ترجمة عبد الهادي عباس ، دار دمشق ، ص
نزار قباني
بتاريخ : السبت 19-06-2010 04:05 صباحا
ولد في دمشق عام 1923 من عائلة دمشقية عريقة هي أسرة قباني ، حصل على البكالوريا من مدرسة الكلية العلمية الوطنية بدمشق ، ثم التحق بكلية الحقوق بالجامعة السورية وتخرّج فيها عام 1945 .
يقول نزار قباني عن نشأته "ولدت في دمشق في آذار 1923 في بيت وسيع، كثير الماء والزهر، من منازل دمشق القديمة، والدي توفيق قباني، تاجر وجيه في حيه،
عمل في الحركة الوطنية ووهب حياته وماله لها. تميز أبي بحساسية نادرة وبحبه للشعر ولكل ما هو جميل. ورث الحس الفني المرهف بدوره عن عمه أبي خليل قباني الشاعر والمؤلف والملحن والممثل وباذر أول بذرة في نهضة المسرح المصري. امتازت طفولتي بحب عجيب للاكتشاف وتفكيك الأشياء وردها إلى أجزائها ومطاردة الأشكال النادرة وتحطيم الجميل من الألعاب بحثا عن المجهول الأجمل. عنيت في بداية حياتي بالرسم. فمن الخامسة إلى الثانية عشرة من عمري كنت أعيش في بحر من الألوان. أرسم على الأرض وعلى الجدران وألطخ كل ما تقع عليه يدي بحثا عن أشكال جديدة. ثم انتقلت بعدها إلى الموسيقى ولكن مشاكل الدراسة الثانوية أبعدتني عن هذه الهواية".
التحق بعد تخرجة بالعمل الدبلوماسي ، وتنقل خلاله بين القاهرة ، وأنقرة ، ولندن ، ومدريد ، وبكين ، ولندن. وفي ربيع 1966 ، ترك نزار العمل الدبلوماسي وأسس في بيروت دارا للنشر تحمل اسمه ، وتفرغ للشعر. وكانت ثمرة مسيرته الشعرية إحدى وأربعين مجموعة شعرية ونثرية، كانت أولها " قالت لي السمراء " 1944 .
بدأ أولاً بكتابة الشعر التقليدي ثم انتقل إلى الشعر العمودي، وساهم في تطوير الشعر العربي الحديث إلى حد كبير. يعتبر نزار مؤسس مدرسة شعرية و فكرية، تناولت دواوينه الأربعة الأولى قصائد رومانسية. وكان ديوان "قصائد من نزار قباني" الصادر عام 1956 نقطة تحول في شعر نزار، حيث تضمن هذا الديوان قصيدة "خبز وحشيش وقمر" التي انتقدت بشكل لاذع خمول المجتمع العربي. واثارت ضده عاصفة شديدة حتى أن طالب رجال الدين في سوريا بطرده من الخارجية وفصله من العمل الدبلوماسي. تميز قباني أيضاً بنقده السياسي القوي، من أشهر قصائده السياسية "هوامش على دفتر النكسة" 1967 التي تناولت هزيمة العرب على أيدي إسرائيل في نكسة حزيران. من أهم أعماله "حبيبتي" (1961)، "الرسم بالكلمات" (1966) و"قصائد حب عربية" (1993).
كان لانتحار شقيقته التي أجبرت على الزواج من رجل لم تحبه، أثر كبير في حياته, قرر بعدها محاربة كل الاشياء التي تسببت في موتها. عندما سئل نزار قبانى اذا كان يعتبر نفسة ثائراً, أجاب الشاعر :" ان الحب في العالم العربي سجين و أنا اريد تحريرة، اريد تحرير الحس و الجسد العربي بشعري، أن العلاقة بين الرجل و المرأة في مجتمعنا غير سليمة".
تزوّج نزار قباني مرتين، الأولى من ابنة عمه "زهراء آقبيق" وأنجب منها هدباء وتوفيق . و الثانية عراقية هي "بلقيس الراوي" و أنجب منها عُمر و زينب . توفي ابنه توفيق و هو في السابعة عشرة من عمره مصاباً بمرض القلب و كانت وفاتة صدمة كبيرة لنزار، و قد رثاه في قصيدة إلى الأمير الدمشقي توفيق قباني. وفي عام 1982 قُتلت بلقيس الراوي في انفجار السفارة العراقية ببيروت، وترك رحيلها أثراً نفسياً سيئاً عند نزار ورثاها بقصيدة شهيرة تحمل اسمها بلقيس ..
بعد مقتل بلقيس ترك نزار بيروت وتنقل في باريس وجنيف حتى استقر به المقام في لندن التي قضى بها الأعوام الخمسة عشر الأخيرة من حياته . ومن لندن كان نزار يكتب أشعاره ويثير المعارك والجدل ..خاصة قصائده السياسة خلال فترة التسعينات مثل : متى يعلنون وفاة العرب؟، و المهرولون .
وافته المنية في لندن يوم 30/4/1998 عن عمر يناهز 75 عاما قضى منها اكثر من 50 عاماً في الحب و السياسة و الثورة .











