سيد درويش.. سيرة حياة وموسيقى
تاريخ ميلاده:
ولد سيد درويش في الساعة التاسعة من صباح يوم 17/اذار سنة 1892 بحي كوم الدكة بالإسكندرية.
أبواه:
كان أبوه درويش البحر بحاراً فقيراً له ورشة صغيرة في كوم الدكة وكان يصنع القباقيب والكراسي الخشبية ويحصل على رزقه هو وأسرته بصعوبة شديدة، وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب وكانت أمه أسمها (ملوك) كانت سيدة من أسرة فقيرة أيضاً وكانت أمية هي الأخرى وكانت قد سبقته الى الدنيا شقيقتان تكبرانه قليلاً.
حي كوم الدكة:
حي من الأحياء الشعبية الفقيرة يسكن فيه عمال المعمار من بنائين ونجارين ونقاشين.. الخ، ولهذا الحي تاريخ مجيد في النضال الشعبي ضد الغزاة الأجانب وضد الولاة الأتراك.
نشأته:
كان أبوه يريد أن يراه شيخاً معمماً يحفظ القرآن ويجوده وأدخله كتاب حسن حلاوة بالحي نفسه فتعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ قسطاً من القرآن الكريم وكان شغوفاً في طفولته بالاستماع الى الشيوخ الذين يحيون المولد النبوي ويحفظ عنهم ويقلدهم أمام أطفال الحي.
وفي سن العاشرة كان قد أجاد القراءة والكتابة وحفظ قسطاً كبيراً من القرآن وعندئذ توفى أبوه فصممت أمه على أن يتم تعلمه كما أراد أبوه ونقلته الى مدرسة أولية تصادف من كان فيها معلم يهتم بتحفيظ الأطفال الأناشيد الدينية والقومية وأسترعى الطفل سيد درويش انتباهه فخصه بعنايته وجعله يقود الأطفال في ترتيل الأناشيد، ونمت معه موهبته وخرج من حدود الحي وأصبح يرتاد الأحياء الشعبية الأخرى ويستمع الى مشاهير الشيوخ المقرأين والمطربين الذين يحيون الأفراح والمواليد الدينية واشترت له أمه ملابس رجال الدين وهو غلام في الثالثة عشر من عمره وتقدم للالتحاق بالمعهد الديني التابع لأحد مساجد الإسكندرية وهو مسجد (العباس- المرسى) لكي يتم حفظ القرآن وتجويده، وكان شغوفاً بالقراءة والإطلاع ويقرأ كل ما يقع في يده من كتب وصحف عربية.
بدء حياته الفنية:
وفي سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة وجد انه يستطيع أن يكسب عيشه وعيش أسرته من الغناء في الأفراح والموالد بما حفظه من التواشيح والأناشيد الدينية فتوقف عن الدراسة وتفرغ للغناء والإنشاد وكان بالطبع مقلداً لمشاهير المطربين والمقرئين.
وجاءت الأزمة الاقتصادية العالمية في سنة 1907 وما بعدها فكسدت سوق الفنانين وأصيبوا بالبطالة، ولما كان سيد درويش قد أصبح المسؤول عن أمه وشقيقاته فقد خلع ملابس الشيوخ واشتغل مع عمال المعمار مساعد نقاش مهمته أن يناول النقاش المونة، وفي أثناء العمل كان يغني فكان العمال الذين يشتغلون في البناء يطربون أشد الطرب ولاحظ المقاول أن العمال ترتفع معنوياتهم ويزيد إنتاجهم إذا كان العامل سيد درويش يغني لهم، فطلب إليه أن يتوقف عن العمل وأن يكتفي بالغناء للعمال.
وكان أمام العمارة التي يشتغل عليها مع زملائه مقهى متواضع تصادف أن جلس فيه ممثل أسمه أمين عطا الله (وكان ذلك سنة 1908) وعن شقيق سليم عطا الله صاحب الفرقة التمثيلية التي تعمل في الإسكندرية وسمع صوت هذا العامل الفنان وسرعان ما تقدم إليه وعرض عليه العمل في فرقة أخيه ولم يتردد سيد درويش والتحق بالفرقة ليغني مع الكورس وليؤدي منفرداً بعض الأغاني بين فصول المسرحية.
وفي السنة نفسها سافر مع الفرقة الى لبنان ولكن الفرقة فشلت ولم تلق إقبالاً بسبب سوء الأحوال الاقتصادية وتشتت أفراد الفرقة وظل سيد درويش ببيروت ودمشق وحلب يكسب عيشه بقراءة القرآن في المساجد ويبحث عن أساتذة الموسيقى ليتعلم عليهم أصول الموسيقى الشرقية ويحفظ عنهم التراث القديم كله.
وبعد أن قضى في الشام قرابة تسعة أشهر عاد الى الإسكندرية واستمر يشتغل بالغناء والإنشاد في الأفراح والموالد والمقاهي الشعبية حتى أعتاد سليم عطا الله تأليف فرقته التمثيلية سنة 1910 فأنضم سيد درويش إليها.
الرحلة الثانية:
وفي خلال عمله بالإسكندرية بعد عودته من لبنان خرج من دائرة التقليد وترديد ألحان الآخرين وبدأ يؤلف ألحانه الخاصة ولكنه بسبب صغر سنه كان يخشى أن يجاهر بأنه يؤلف الموسيقى فكان ينسب الألحان الى الملحنين المشهورين فكانت تقابل بالاستحسان الشديد.
ثم سافر مع سليم عطا الله الى لبنان في رحلتها الثانية التي نجحت هناك نجاحاً مكنه من البقاء هناك فترة أطول (أكثر من سنة) حضر فيها على كبار أساتذة الموسيقى ومنهم الشيخ إبراهيم الموصلي استكمل فيها دراسة علوم الموسيقى العربية وحفظ عن ظهر قلب حفظاً كاملاً كل التراث العربي، ثم عاد الى الإسكندرية سنة 1912 واستمر يعمل في الأفراح والمقاهي الشعبية واستفاضت شهرته وبدأ يجاهر بأنه ملحن ويقدم للناس ألحانه بنفسه وكانت تقابل بالاستحسان وتنتشر على ألسنة الناس.
في القاهرة:
وجاءت أخباره الى القاهرة وتردد أسمه في الأوساط الفنية فكان كبار فناني القاهرة إذا زاروا الإسكندرية يبحثون عن المقهى الذي يغني فيه الشيخ سيد درويش ليسمعوه، ومن هؤلاء الفنانين المغني المشهور الشيخ سلامة حجازي الإسكندري الأصل الذي كان صوته أجمل وأقوى الأصوات في عصره حتى أنه عندما جاء مغني الأوبرا الإيطالي كاروزو الى القاهرة لإحياء موسم فيها سمع عن سلامة حجازي وذهب الى المسرح الذي كان يغني فيه، وعندما سمعه قال: "الحمد لله لو ولد هذا الرجل في أوروبا لما أحتل كاروزو مكانة أعظم مغن في عصره.
سمع سلامة حجازي صوت سيد درويش وألحانه فذهل وتعرف به وشجعه على الحضور الى القاهرة ليقدمه على مسرحه، وفعلاً حضر سيد درويش وقدمه سلامة حجازي للجمهور بين فصول الرواية التي كانت تمثلها فرقته وغنى سيد درويش من ألحانه غناء لم يكن مألوفاً وقتها ولكن الجمهور لم يرض عنه خصوصاً وأن صوته لم يكن في جمال صوت سلامة حجازي فقوبل بالصفير والاستحسان مما جعل سلامة حجازي يخرج من خلف الستار ليقول للناس ان هذا الفتى (وكان عمره قرابة العشرين) هو عبقري المستقبل.
العودة الى الإسكندرية:
وحزن سيد درويش لفشله وعاد الى الإسكندرية واستمر يعمل فيها سنوات الحرب العالمية الأولى وكان إذا كسد سوق الغناء ينتقل الى العمل عاملاً او كاتب حسابات في متجر للأثاث القديمة يملكه زوج أخته الكبرى.
وفي خلال عمله الغنائي هناك كان أسمه يتردد في القاهرة على انه ملحن صاحب اتجاه جديد في التلحين، وكانت في القاهرة فرق تمثيلية عدة بعضها يقدم ألواناً هزلية مطعمة بأغان موزونة على (قده) ألحان بسيطة يونانية أو تركية وبعضها يقدم مسرحيات درامية او تراجيدية، وهذه الأخيرة كانت توجد فرقة الممثل التراجيدي الكبير جورج أبيض الذي ضعف الإقبال عليها لأن أحزان الحرب كانت توجه الناس الى اللون الكوميدي للتسلية والترفيه عنهم، ورأى جورج أبيض أن يحول فرقته الى اللون الكوميدي الاستعراضي الغنائي واستدعى سيد درويش من الإسكندرية وكلفه ان يلحن له أول أوبريت باسم (فيروز شاه).
أول أوبريت:
وقبل سيد درويش هذه المهمة وانتقل الى القاهرة وألف ألحان هذه الأوبريت التي كانت شيئاً جديداً تماماً على الموسيقى العربية، ولم تلبث أن أخذ الناس يرددونها وخصوصاً الفنانون المشتغلون في المسارح الغنائية الأخرى، وسمع نجيب الريحاني وهو ممثل كوميدي مشهور وصاحب فرقة مسرحية، سمع بعض أفراد فرقته يغنون في أوقات راحتهم بين البروفات ألحاناً غريبة وجديدة فسألهم عنها ولما عرف قصة هذا الملحن الجديد أسرع بالتعاقد معه ليلحن له أوبيرتاته وألف له ألحان ثاني أوبريت وأسمها (ولو..).
انتشار صيته:
وكانت ظاهرة غريبة إذ انتشرت ألحان هذه الرواية الثانية انتشاراً هائلاً حتى كان يرددها الأطفال في الشوارع والعمال في المصانع والفلاحون في حقول الريف، ولذلك تهافت عليه أصحاب الفرق فكان يؤبف لهم ما يطلبونه إذ أعجبه موضوع الرواية وأعجبه الشعر الشعبي للألحان.
وجاء وقت كانت توجد في القاهرة أربع فرق وعدة صالات للغناء كانت كلها تقدم أوبيرتات من تلحينه.
فرقته الخاصة:
وتضايق من المعاملة الاستغلالية لأصحاب الفرق فكون فرقة خاصة باسمه قدم بها روايتين أحداهما باسم (شهرزاد) والثانية باسم (البروكة)، وكان يؤدي بنفسه دور الفتى الأول.
1- لجهله بشؤون إدارة الفرق والدعاية.
2- ولوجود مسرحه في حي سيئ السمعة يكثر فيه وجود العساكر الاستراليين والانكليز الذين كانوا يعتدون على الناس ويسرقون نقودهم، لهذه الأسباب كان الإقبال ضعيفاً على فرقته الخاصة فاضطر الى حلها وعاد الى التأليف للفرق الأخرى.
مؤلفاته:
في الفترة القصيرة بين حضوره الى القاهرة سنة 1917 وبين وفاته في 15/سبتمبر سنة 1923 وضع ألحان 22 اوبريت والفصل الأول من أول أوبرا شرع في تلحينها بعنوان (كيلوباترا ومارك انطونيو).
وفي خلال حياته الفنية بين الإسكندرية والقاهرة ألف عشرة أدوار للتخت، وهي عبارة عن سيمفونيات عربية و17 موشحاً على النمط القديم ولكن بروح جديدة نحو 50 طقطوقة وهي الأغاني الخفيفة.
وفاته:
وفي قرابة منتصف ايلول سنة 1923 سافر الى الإسكندرية ليكون في استقبال سعد زغلول الزعيم الوطني العائد من المنفى وليحفظ طلاب وطالبات المدارس النشيد الذي لحنه لاستقباله، ولكنه أصيب بنوبة قلبية مفاجئة في مساء 14/سبتمبر ومات فجر 15/سبتمبر في بيت شقيقته.
وفي وسط الاحتفالات الشعبية المهرجانات الوطنية المقامة في الإسكندرية لاستقبال سعد زغلول لم يشعر أحد بوفاة أعظم عبقرية مصرية ظهرت في العصر الحديث وشيعت جنازته في احتفال متواضع لم يشيعه فيه الا عدد قليل جداً من أهله وأصدقائه.
شخصيته وأخلاقه:
يقول معاصروه وأصدقاؤه الأحياء وتزيدهم الصور الفوتوغرافية انه كان ممتلئ الجسم قوي العضلات وكان وجهه وسيماً سمحاً وكان مزاجه مرحاً ضاحكاً متفائلاً يميل الى السخرية الجميلة الذاكية من دون مرارة ولا حقد وكان طيب القلب شديد الولاء لأصدقائه ولكل الناس كريماً مفتوح الكف عطوفاً على الفقير والضعيف وكان ذكي العقل والقلب المعنى الفهم حساساً الى أبعد حدود الحساسية، سريع الانفعال سريع النسيان وكان يخص أمه بحب يقرب العبادة ويدللها كأنها طفلة صغيرة، وكان جذاب الشخصية جميل الحديث سريع النكتة.
وبرغم أنه كسب كثيراً من الذهب فانه لم يدخر شيئاً فلم يكن يخاف المستقبل ولم يكن يطمع في مستوى معيشة يبعد به عن الطبقات الشعبية التي ولد وتربى فيها، ولهذا كان يتخلص أولاً بأول من كل ما يكسبه فبعد أن يكفي نفسه وأسرته بما يجعل بيته شبعانا مستوراً سعيداً، كان يسد حاجة المحتاج من أصدقائه او من زملائه الفنانين ثم من الناس الذين لا يكاد يعرفهم وكان يصرف الباقي على مجالات أنسه والهامة وغالباً ما تكون بين أصدقائه وأحبابه.
وفي هذه الصفات تروى الروايات وتحكى الحكايات التي تدل على إنسانيته العميقة وقلبه الكبير، ولم تكن له نزوات غير مفهومة كتلك التي يصاب بها الفنانون، ولكن نزواته كلها كانت مفهومة بمعنى انها لم تكن شذوذاً ينفرد به وحده كذلك الموسيقى الذي كان يحب ان يحمل على كتفه عدداً كبيراً من أواني الصفيح ويلبس قبقاباً خشبياً ويسير هكذا في الطريق أو يقصد هكذا على الرصيف.
اما السيد درويش فلم تكن له نزوة من هذا القبيل وكل ما روي عنه عبارة عن هواية معينة ولكنها هواية بناءة لأنه كان يحب إصلاح أقلام الحبر وكان يتقن هذا العمل برغم انه لم يكن من المهن التي احترفها من قبل.
وكان يمضي سهراته في الأحياء الشعبية ويخالط الناس البسطاء من عمال وباعة وحرفيين وحوذيه ولم يفكر أبداً في الانتساب الى طبقة أعلى من طبقة أسرته، بل ظل على ولائه وحبه للكادحين حتى مات.
ويروى عنه انه في يوم افتتاح مسرح الازبكية وكان قد لحن له أوبريت (هدى) كان الوزير المختص بالمسارح – وقتها وزير الاشغال- يشرف حفل الافتتاح، وبعد إنزال الستار على الفصل الأخير جاء مدير الفرقة يهرول الى الكواليس ويزف الى سيد درويش خبر إعجاب معالي الوزير بموسيقى الرواية وأن معاليه يستدعيه الى مقصورته ليهنئه، ولكن سيد درويش أدار ظهره للمدير وسحب صديقه من يده وذهب به الى حي شعبي عتيق سهرا فيه مع لابسي الجلابيب.
اتجاهاته الفنية:
لم ينل سيد درويش أي تعليم مدرسي في الموسيقى سوى القليل الذي أصابه من التحاقه بضعة شهور بمدرسة إيطالية للموسيقى في الإسكندرية، اما كل ما تعلمه فكان من الاكتساب، اما عن استماعه لمشاهير المقرئين والمطربين، وأما من حفظه عن الموسيقيين القدماء في الإسكندرية وبيروت وحلب والقاهرة، وأما من قراءاته في كتب الموسيقى العربية القديمة وقد روى انه بدأ يتعلم الموسيقى من كتاب اشتراه بائع يعرض كتبه القديمة على رصيف الشارع، وبينما كان سيد درويش ينظر في فترينة هذه المكتبة الفقيرة ليختار كتباً في التاريخ والشعر والأدب وقع نظره على كتاب صغير أصفر الورق وكان في الموسيقى وطلب منه البائع خمسة مليمات أعطاها له وذهب بهذا الكنز الى بيته وأنكب عليه يلتهم ما فيه وذهب فاشترى عوداً قديماً وشرع يتعلم العزف عليه مسترشداً بالكتاب، وفي سن مبكرة جداً (حوالي سن الخامسة عشر) وجد انه قادر على تأليف الموسيقى أو بمعنى آخر وضع الألحان والكلمات الشعرية الفصحة او العامية فأخذ يلحن ووجد انه يلحن أشياء جديدة تختلف عما كان سائداً فتخوف لصغر سنه وقلة تجربته ان يعرض نفسه للسخرية إذا جاهر انه صاحب اللحن أو على الأقل للتكذيب والأفكار ولهذا بدأ ينسب ألحانه لملحن ومغن شهير وقتها أسمه إبراهيم القباني فلما أعاد التجربة ووجد ان هذه الألحان تنال استحسان الناس بدا يقدم نفسه كمؤلف، وكان من الطبيعي لعبقري هذا تاريخه وهذه بيئته وهذه مواهبه وأخلاقه كان من الطبيعي أن يخوض ببيئته معار لشعب كلها من وطنية الى اقتصادية الى اجتماعية، ولهذا اتجهت اعماله كلها هذه الوجهة تعرض وتدا فع عن كل القضايا التقدمية، ولذلك فان كل ألحانه وأهداف اوبريتاته كانت أهدافاً وطنية عامة كما كانت في الوقت نفسه تعكس بشدة مطالب الطبقات الكادحة بجميع فئاتها.
لقد كان زعيم ثورة 1919 هو زعيم البرجوازية الوطنية التي كانت تقود الكفاح السياسي ضد الاحتلال البريطاني ولكن كان الى جانب سعد زغلول يوجد زعيم شعبي آخر هو سيد درويش بكل قوته في المعركة الوطنية ولكن بمفهومات أخرى هي ان الشعب لا يرتمي بكل نفسه وما يملك في أتون المعركة الوطنية ليحصل على استقلال بلده فحسب وإنما ليحصل أيضاً على حقوقه في الحياة الكريمة التي تحققها خيرات بلده، هذه الخيرات التي ينتجها جهده وحده وعرقه وكدحه ومواهبه.
ثم كان من الطبيعي وذلك هو موضوع موسيقى سيد درويش ان يتخذ أسلوباً أو شكلاً تعبيرياً يختلف كل الاختلاف عن الأساليب والأشكال السابقة، لأن الثورة في الموضوع استتبعت الثورة في الأسلوب وهذا انطلقت الموسيقى العربية الحبيسة خارجة من معتقلها في تصور أمراء الإقطاع الى الهواء الطلق والأفاق الرحيبة وإذ تحطمت القيود التي كانت تربط الموسيقى العربية الى ذلك العالم المحدود الأشواق، وصل الأمر بذلك الثائر الجسور المقتحم الواثق من عبقريته الى ان يستعمل في بعض ألحان اوبريتاته المتأخرة مثل (شهرزاد) و(البروكة) (قالب الهرموني ) (الكونترابونت) التي لم تعرفها الموسيقى الشرقية من قبل.
وما زالت اعمال سيد درويش في هذا الباب هي الأولى والأخيرة فلم يتجاسر بعده حتى اليوم احد من الملحنين على أن يخطو خطوة نحو هذا الباب العريض من أبواب الموسيقى، والمجال هنا يضيق. ان استيعاب جميع جوانب الثورات التي أحدثها سيد درويش في الموسيقى العربية عموماً وفي الموسيقى الشرقية خصوصاً لأنه أمر يطول شرحه.
عن كتاب موسوعة الموسيقية العربية تاليف رتيبة الحنفي القاهرة 1974
الثورة الموسيقية في تراث درويش
بقلم يوسف حلمي
أن الحقيقة التي ينعقد لديها إجماع الناس حتى خصوم سيد درويش ان هذا الرجل قد أحدث ثورة كاملة وهائلة في موسيقانا وأنزل الستار نهائياً على عهد مضى ولن يعود فتح أمامها آفاقاً جديدة غير ذات حدود.
يقول الدكتور حسين فوزي وهو يتحدث عن سيد درويش:
- وقد يسألني شباب الجيل الحاضر عن مدى التجديد الذي أحدثه سيد درويش في الموسيقى فلا أعرف أين أبدأ والى أين انتهي، لأن جميع ما نسمعه اليوم من الموسيقى المصرية هو أثر من آثار سيد درويش في التجديد، والموسيقى المصرية مازالت في الطريق الذي رسمه.
اما أنا فإني أزعم إني أعرف من أين أبدأ وأن كنت لا أعرف الى أين أنتهي فالثورة الموسيقية التي أحدثها سيد درويش تبدأ من هنا: قبل سيد درويش كانت موسيقانا "تتسلطن" على التخت ولم يكن يتجاسر على الغناء الا جبابرة الصوت الرخيم وأصحاب الحنجرة الذهبية مثل عبده الحمولي وألمظ وعبد الحي حلمي ومحمد عثمان وسلامة حجازي، أما بعد سيد درويش فقد أصبح كل الشعب يغني.
وهذا هو مفترق الطرق بين الماضي الذي ولى نهائياً وانزل سيد درويش عليه الستار وبين المستقبل المشرق الذي فتح العبقري الجسور أبوابه على مصاريعها.
ان موسيقانا قبل سيد درويش كانت خليطاً من الأنغام التركية والفارسية في إطار عربي مذهب، وكانت فناً سجينا في القصور مخصصاً للزينة ولتسلية السادة وملء فراغهم الطويل ولإدخال البهجة على نفوس الحريم، ولذلك كان من الطبيعي ان تتوطن في ذلك السجن لتخدم أغراض البيئة الاجتماعية التي تعيش فيهاـ أي عالم الحريم، ولذلك ظلت الموسيقى في بلادنا سواء من حيث شكلها أم من حيث مضمونها أبهد ما تكون عن الشعب أبعد ما تكون عن آذانه وأبعد ما تكون عن التعبير عن حياته، ان السيد درويش حين بدأ يؤلف الموسيقى ثار على السجن العتيق (وحطم السلاسل التي كانت تربط ذاك الفن العظيم الى عالم الحريم وأنطلق به الى صميم الحياة.. حياة السواد الأعظم من بسطاء الناس ليعبر عنهم ويبهجهم ويزرع فيهم الأمل والثقة).
ويقول توفيق الحكيم في كتابه "فن الأدب" وهو يتحدث عن الموسيقى في مصر في سنوات الثورة:
" على اننا كنا نعيش في ذلك الجو الفني العجيب الذي استطاع أن يخلقه سيد درويش، كنا نتتبع أثاره الجسيمة في كل مكان ونعرف أحدث ألحانه قبل أن تذاع من فمه أو أفواه من التقطوها عنه في ليلة من ليالي وحيه المنهمر، وكانت أغاني سيد درويش وألحانه الشعبية تسري في الناس كالنار في الهشيم".
وكذلك يقول حسين فوزي في الحديث نفسه الذي أشرنا اليه فيما سبق أنه ورفاقه الذين كانوا يؤلفون جماعة فنية باسم المدرسة الحديثة "كانوا يتابعون (خطى سيد درويش خطوة.. خطوة في أدواره القديمة وطقاطيقه التي كان يغنيها الشعب من أقصى الوادي الى أدناه).
وأذن فحقيقة الثورة الموسيقية التي أحدثها سيد درويش هي انه أخرج الموسيقى من القصر الى الشارع وبعد أن كان الغناء قاصراً على المطربين الموهوبين لا يتجاسر عليه غيرهم، جعل سيد درويش كل الشعب يغني.
قبل سيد درويش لم يكن في إمكان الشعب ولا هو كان يحب أن يغني "يا ملك قلبي بالمعروف" أو "أنا أعمل إيه في سى الحبيب" أو "أقعد على حجري وشخلعني يا روحي"، أما بعد سيد درويش فقد أصبح الشعب كله يغني "طلعت يا محلا نورها" و"زوروني كل سنة مرة" و"سالمة يا سلامة" و"الحلوة دي قامت تعجن في البدرية" و"قوم يا مصري دايما بتناديك" و"بلادي بلادي لك حبي وفؤادي" وعشرات أخرى من الألحان والأغاني والأناشيد التي مازال الكثير منها يردد حتى اليوم في أفراح الشعب وأعياده واحتفالاته.
هذه هي معجزة سيد درويش الكبرى وآيته الخارقة التي استطاعها بمفرده وحققها في أقل من ست سنوات هي عمره الفني الذي بدأ حين وفد الى القاهرة سنة 1917 وانتهى حين وفاه أجله في سنة 1923 ولما يبلغ الثانية والثلاثين، وهذه المعجزة معجزة مزدوجة فهي معجزة للكيفية التي تمت بها وهي معجزة بالنتائج التي ترتبت عليها تماماً كإطلاق المسارد من القمقم، ثم الخوارق التي سخر المارد لتحقيقها.
فلكي نغني الشعب كان لابد من استخدام "أسلوب" في التأليف الموسيقي غير الأسلوب الذي كان يغني به "سلاطين" التخت أسلوب بسيط بساطة الشعب بدل الأسلوب المعقد كتعقيد عالم الحريم والأغوات.
ثم كان لابد لهذا الأسلوب البسيط أن يكون "أصيلاً" يمنح من عبقرية الشعب مباشرة أي يستلهم الأنغام المجهولة المصدر والتي يتغنى بها فئات الناس المختلفة كالسقايين والشيالين والباعة الجائلين وشعراء الربابة والمراكبية والفلاحين والعمال ليحولها الى أعمال فنية اعجازية هي السهل الممتنع، قمة البلاغة الموسيقية، بل لقد استوح سيد درويش أغاني الأطفال الساذجة في الحواري والأزقة، فمن مداعبات الأطفال لخروف العيد "السح يا نتح يا خروف نطاح" أخذ نغمة اللحن المشهور "يا أبو الكشاكش كان جرى لك ايه يا هلترى" الذي سرعان ما حفظه الناس وتغنوا به ضاحكين.
فالأسلوب البسيط الأصيل السهل الممتنع النابع من معين العبقرية الشعبية الذي لا ينضب، كان هو الأداة التي استخدمها سيد درويش لكي يجعل الشعب يغني، كان المزمار السحري الذي فكت أنغامه طلاسم القمقم المغلق.
وقد بوغت الموسيقيون المخضرمون- وكانوا أساتذة أجلاء في علوم الموسيقى الشرقية- بهذا الأسلوب فأنكروه إنكاراً شديداً وقالوا عن صاحبه انه "ملحن خارج على القواعد والأصول والمعقول والمنقول"، كما يروي عنهم الأستاذ توفيق الحكيم الذي يعلق على رأيهم قائلاً: "وتلك هي التهمة الأبدية لكل مجدد جريء".
وبديهي أن المسألة لم تكن مسألة الشكل أو الأسلوب فقط وإنما كانت أيضاً مسألة المضمون والموضوع فأعراض التعبير الموسيقي كانت قبل سيد درويش هي "الاهات والزفرات والقلوب التي تحترق والأكباد التي تذوب والهجر والوصل والغيرة والشوق والكائدين والعزال.. الخ، وتلك هي الدنيا التي كان يحياها الرجال والنساء في عالم القصور والحريم"!
ولما جاء العبقري العظيم الذي ولد مع صحوة الحركة القومية في العقد الأخير من القرن التاسع عشر 17/مارس/1892، والذي شب وصلب عوده أبان مأساة دنشواي والذي أصغى الى أنين الشعب وآلامه، كما استوعب امانيه وأحلامه في بيوت حي كوم الدكة الفقير المتهدم والذي نزح الى القاهرة في أواخر الحرب العالمية الأولى فانصهرت عبقريته النادرة في الغليان الذي كانت تموج به عاصمة البلاد والذي خاض غمار الثورة مع الشعب مؤمناً به وبها مخلصاً له ولها حتى ودع الحياة قبل الأوان.
لما جاء هذا العبقري العظيم كانت حياة الناس وآلامه وأحلامه الرسالة التي سخر لها مواهبه للتعبير عنها ولطرح مشاكل الفئات العاملة والدفاع عنها حتى لا تكاد توجد طائفة من الطوائف لم يجر على لسانها لحن من ألحانه، فقد غنى سيد درويش وربط بين مطالب هذه الطوائف المختلفة وبين مطالب الحركة الوطنية ككل وهو أسمى ما يمكن ان يفكر فيه ويعيش ويعمل له أي عقل ثوري في أي زمان او مكان.
وقد اقتضى هذا التغيير الجذري في شكل وموضوع اللحن الموسيقي أن تنشأ الأغاني الجماعية أي أغاني الكورس التي لم يكن لها وجود من قبل الا في التراشيح ومقاطع الترديد في ادوار التخت، أما الكورس ككيان مستقل في اللحن الموسيقي فلم يعرفه أحد من الملحنين قبل سيد درويش.
هكذا كان الانطلاق المدوي للمارد الذي كان حبيساً في القمقم، وهكذا أصبح فن الموسيقى في خدمة الحياة، في خدمة الثورة وفي خدمة العدالة والحق والحرية والسلام والرخاء والتقدم في خدمة الشعوب، فعلاً كانت ألحان سيد درويش تسري في الناس كالنار في الهشيم.
أية حالة كانت عليها المواصلات والنشر والإذاعة في سنوات الثورة؟ ومع ذلك فأن ألحان سيد درويش الطائفية او الوطنية او الانتقادية كانت تذيع على أفواه الشعب كله من الإسكندرية الى أسوان في أيام قلائل وكان لها فعل السحر في النفوس والقلوب والعقول.
كم من مظاهرة وطنية قادها سيد درويش وهو يعلم الشعب نشيداً جديداً ويغنيه معه، وكم من مظاهرة تألفت من رواد المسارح بعد تمثيلية مرصعة بألحانه التي كانت تدفع الدم الى العروق وتؤجج نيران الثورة.
لقد وصل الأمر بثورة سيد درويش انه ندد في سنة 1922 بالبطانة الملكية وبالملوك أنفسهم تنديداً شديداً شبه صريح، كما فعل في اللحن الرائع على لسان الحاشية الملكية ورئيسها "عشان ما نعلا ونعلا ونعلا- لازم نطاطي نطاطي نطاطي" في أوبريت العشرة الطيبة.
لابد أن انطلاق هذا المارد من القمقم كان شيئاً مفزعاً.. مفزعاً للرجعية والاستعمار وسلطات الاحتلال، فإن الملايين عندما تغني معاً فإن صوتها المدوي يزلزل الحصون والقلاع، ولذلك تكاتفوا بعد رحيل سيد درويش لإرجاع المارد الى حيث كان، بالعمل عل طمس التراث ومحاولة إخضاع فن الموسيقى من جديد لأغراض القصور او على الأكثر لأغراض "الفيلات" والعمارات، وهذا يفسر إطلاق اسم الملك فؤاد الأول على سيد الموسيقى الشرقية، ويفسر عقد مؤتمر للموسيقى العربية سنة 1930 تحت رعاية ذلك الملك من دون أن يتعرض أي من هذين المؤتمرين لأعمال سيد درويش.
ويفسر لماذا تخرج في هذا المعهد ألوف من المطربين والعازفين ومدرسي الموسيقى من دون أن يتعلموا حرفاً واحداً من الروائع التي أبدعها سيد درويش.
وأخيراً يفسر لماذا اختفت الألحان الشعبية والجامعية نهائياً بعد سيد درويش؟ ولماذا عادت أغانينا لا تعبر الا عن الغرام والهيام وآلام الجوى وتباريح الشوق واستمرت كذلك حتى الى ما قبل سنوات قليلة.
كانت هذه هي المعجزة الكبرى لسيد درويش ولكنها لم تكن الوحيدة، الموسيقى عند سيد درويش لم تكن مجرد أنغام مركبة تبعاً لموازين معينة وكفى، وإنما هي أداة تعبر عن واقع حي عن أشياء او أشخاص أو أحاسيس موجودة فعلاً، كانت الموسيقى عنده هي تحويل المعاني المشحونة في الكلمات الى أنغام كانت هي الترجمة المبهجة للأحاسيس والقيم والأشخاص والأشياء.
موسيقانا السابقة على سيد درويش لم تكن تستطيع التعبير الا عن إحساس واحد هو "الصبابة" حتى الموشحات الدينية لم تكن أنغامها تعبر الا عن الوجد والتدله.
أما ما عدا ذلك فالصوت الرخيم وما يستطيعه في فنون التطريب هو الذي يتكفل بالباقي بإرضاء السامعين وانتزاع إعجابهم، ولكن سيد درويش كان موسيقاراً عبقرياً من طراز فريد.
يقول الدكتور حسين فوزي:
"سيد درويش يذكرني في تاريخ التطور الموسيقي بحركة قام بها جلوك GLUCK في أواخر القرن الثامن عشر، إذ رفض أن تكون الموسيقى المسرحية مجرد ألحان لا تربطها بالكلمات أية رابطة وأبى على المغني ان يكون مجرد مطرب يلعلع بصوته على المسرح من دون أن يعبر اللحن مباشرة عن معنى الألفاظ التي يغنيها".
"سيد درويش كان يؤلف اللحن الذي يؤدي الى شيء أبعد وأعمق من مجرد الطرب لأن ألحان سيد درويش تعبر عن المعاني أصدق تعبير وقد تصل في بعض الأحيان الى إعطاء صورة واضحة للأشخاص.. كلا أيها السادة لم يكن تحدياً من سيد درويش ان يقول: انا أقدر ألحن الجرنال، لأن التلحين عنده هو استقراء للمعنى وتحويله الى موسيقى.
منذ سنوات كنت ازور الموسيقار محمد عبد الوهاب في مكتبه وهو يعرف حبي لسيد درويش، فرأى أن يكرمني بطريقة جميلة فسحب عوده وأخذ يعزف ويغني لحن "الشيطان" من رواية "البروكة" وهو لحن مذهل يحملك وحده على أحناء الرأس احتراماً لتلك العبقرية التي لا تتكرر، وكان في اللحن عبارة: "وكان فني عينه- يا ساتر؟ بتطق شرار.
وتعلق عبد الوهاب بكلمة " يا ساتر" وجعل يغنيها ويشرحها ويكرر ذلك بأقصى ما يكون من الدهشة والإعجاب وكان قد وصل الى حالة من التجلي، حتى انه قال أنه يود لو نسب إليه تلحين هذه الكلمة وحدها من دون كل موسيقاه.
وفي الواقع ليس هناك أقوى من هذا المثل الذي أختاره عبد الوهاب لتوضيح مقدرة سيد درويش على تصوير معاني الكلمة بالأنغام الموسيقية فكلمة "يا ساتر" في وضعها من العبارة كلها هي جملة اعتراضية تتوسط العبارة التي تصف الشيطان، وقد جاءت لتعبر عن الهول والاستفظاع والاستنجاد، ويدهشك أن سيد درويش استطاع ان يبرز الجملة الاعتراضية أولاً كجملة اعتراضية، ثم يبرز فيها شدة الفزع والاستنجاد.
وقس على ذلك كل اعماله سواءً كانت ألحاناً مسرحية أم طقاطيق أم أدواراً أم تواشيح، كل كلمة لها معنى وعلى الموسيقى ان تبرز هذا المعنى فالغناء ليس مجرد طرب أو دغدغة للأعصاب وإنما فن تعبيري قبل كل شيء.
إن أدواره نفسها التي كان يؤديها على التخت يمكن ان يؤديها مطرب او مطربة من فرق المسرح كلحن مسرحي رائع، وكل ما هو مطلوب ليتحقق ذلك هو أن ينتقل التخت من خلف المغني ليتحول الى أوركسترا شرقية أمامه، فكل دور من الأدوار له قصة بذاتها وكل نغمة من أنغامه تحكي معنى خاصاً من معاني هذه القصة، فما بالك بالألحان المسرحية التي وضعها لتؤدي من فوق المسرح ضمن حوادث رواية تمثيلية ذات وقائع مترابطة مسلسلة.
ان اعمال سيد درويش بلغت الذروة في هذا المجال والدكتور حسين فوزي يؤكد ان روايتي "العشرة الطيبة" و"شهرزاد" إذا خدمتا بإخلاص (جديرتان بأن تسمعا في أنحاء العالم نموذجاً للاوبريت المصرية التي وضع سيد درويش أساسها في فجر الحركة الوطنية ولن تجد بعد موته من يأخذ بيدها او يحذو حذوها)، وهذا كله في بساطة واسترسال يدلان على أن سيد درويش لم يكن يفتعل ولا كان يقصر الموسيقى على ما لا تتحمله، بل كان يغترف من محيط عبقريته الزاخر من دون أن يلقي في ذلك مشقة او يبذل جهداً، وفي ذلك يقول توفيق الحكيم:
"على اني لا اعتقد ان سيد درويش كان يتعمد التجديد قهراً او افتعالاً ولم اسمعه يتحدث في ذلك كما يتحدث أصحاب النظريات او قادة النهضات، ولكن التجديد عنده فيما أرى كان شيئاً متصلاً بفنه ممزوجاً بدمه لا حياة له فيه، شيئاً يتدفق من ذات نفسه كما يتدفق السيل الهابط من أعلى القمم كانت الألحان تتفجر كأنها تتفجر من ينبوع خفي حتى عنه هو، لقد سمعته وسمعه بعض أصدقائنا يقول ذات يوم: استطيع أن ألحن كل شيء.. استطيع أن ألحن الجرائد اليومية".
وقد حدثني محمد الحواش الذي كان تابعه الأمين والذي بمثابة جهاز تسجيل له- وهو حي يرزق في الإسكندرية- فقال أن الفقيد لم يكن يضع كلمات اللحن أمامه كما يفعل الملحنون ثم يجرب عليها ما في جعبته من أنغام، وإنما كان يستوعب اللحن بكلماته ومعانيه ومضمونه العام ثم يتركه جانباً وقد يذهب شأن او أكثر من شؤونه، وفجأة يطرق بعض الوقت ثم يفيق من إطراقته ويتناول عوده فإذا عمل فني متكامل "تحار فيه العقول"، كما يقول توفيق الحكيم وكانت هذه الإطراقة توانيه في البيت وفي القهوة وفي الشارع وفي النهار وفي الليل منفرداً او مع الناس كأنها تهوية الوحي.
وأقدم سيد درويش أيضاً على عمل ثوري من الدرجة الأولى جعل معاصريه يفتحون عيونهم من الدهشة والذهول، لماذا معاصروه فقط؟ لقد رأيت بنفسي جمهور النظارة في مسرح الأوبرا سنة 1942 وكانت الفرقة القومية تقدم أوبريت "شهرزاد" رأيتهم بنفسي قد أخذتهم المفاجأة أمام اللحن الختامي للفصل الأول فهبوا من كراسيهم واقفين وهم يصفقون بحماسة شديدة لذلك العمل الثوري الجريء.
فلأول مرة في تاريخ الموسيقى الشرقية يقدم الى السامعين لحن غنائي مارموني أي لحن تتداخل فيه الأصوات المختلفة وتتنافس سويا في الوقت نفسه – في نغم رائع كان صاحبه مؤلف قديم راسخ القدم في التأليف الكوفترابويتي، بينما سيد درويش لم يكن- كما يقول حسين فوزي قد درس حرفاً واحداً في هذا الباب العويص من أبواب الموسيقى.
ولم يجيء هذا العمل فلتة او وقع مصادفة فقد تكررت المحاولة بنجاح عام أكثر من مرة في رواية "البروكة" في لحن "لما أشوف وش الحبيب" وفي لحن "سالناريللو" وربما في ألحان أخرى من مسرحيات أخرى خاصة وانه كان قد شرع في تأليف أوبرا كاملة "لكليوباترا انطونيو" التي لم يتم منها الا الفصل الأول.
ومع الأسف الشديد لم يقدم احد بعد سيد درويش على إتمام ما بدأ وتطوير هذا الذي أبدعه واثبت به ان الموسيقى الشرقية ليست عاجزة عن استيعاب أرقى أشكال التعبير الموسيقي، بل لقد اختار المحاولة الاولى في ذلك في اللحن الختامي للفصل الأول من رواية "شهرزاد" من نغمة الرست وهي نغمة شرقية صميمية.
عن كتاب فنان الشعب مطبوعات الاسكندرية 1962
سيد درويش مؤسس المدرسة القومية في الموسيقى العربية
عبد الوهاب الشيخلي
يميل المؤرخون الى تقسيم ما أنقضى من سنين من القرن العشرين الى عصر ما قبل سيد درويش وما بعد سيد درويش، أي ما قبل القمة وما بعد القمة في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة. وسيد درويش قمة من قمم التاريخ الموسيقي العربي سواء قيس بمقياس زمنه أو بمقياس السنين
التي نعيشها الآن سواء في ذلك اعماله الغنائية الفردية ام الجماعية أم المسرحية وليس هناك شك في أن سيد درويش لو عاش لتحقق للموسيقى العربية الكثير مما فاتها بعد وفاته. الشيخ سيد درويش وسيد درويش "شيخ" وقد احتفظ بلقب "الشيخ" حتى بعد أن صار أفندياً مطربشاً لا شيخاً معمماً وهو شيخ الملحنين المعاصرين له والتابعين دان له الجميع بالأستاذية في حياته وبعد موته وطبع الملحنين من بعده بخصائص لم يعهدوها في الغناء العربي وعاش بعضهم على ألحان الشيخ ينسبها لنفسه وتكاد الحقيقة تضيع لولا أن سيد درويش الشيخ الذي لم يكن يقرأ الموسيقى ويكتبها، كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن التدوين هو الطريق الوحيد لحفظ فنه من الضياع والتزييف فلجأ الى أهل الدراية بالتدوين الموسيقي يستعين بهم على إيصال تراثه إلينا من دون تشويه أو نزييف. ويدين سيد درويش للقرآن الكريم بدين كبير وكان لتربيته الدينية أثر واضح باق في فن الشيخ، لقد كان الغناء عند الشيخ سيد يخضع خضوعاً تلقائياً لما تعلممه الفتى صغيراً من أصول قراءة القرآن فاستقام نطقه ووضحت حروفه وتلازم الحرف واللفظ واللحن فكان سيد درويش أول ملحن عربي خرج من المحيط الضيق الذي كان يدور فيه من قبل، حيث كان اللحن لحن الحرف أو الكلمة وليس لحن المعنى. وحمى القرآن الكريم إذن سيد درويش من أعجمية الموسيقى التي بدأت تغزو مصر في الكاباريهات والصالات التي انتشرت في الإسكندرية، حيث ولد والأزبكية وعماد الدين، حيث أنتهى به مطاف العمل فكان سيد درويش حريصاً كل الحرص على عربية ألحانه وأصالة انفعالاته. الحروف التسعة ان الدارس لفن سيد درويش والمتتبع لمقدار العناية التي كان يضفيها الشيخ على معاني الكلمات وهذه متصلة بطبيعة حروف اللغة ليجد عجباً وسوف يزداد عجباً حينما يدرك أن مدارس الغناء الثلاث في أوروبا لا يمكن ان تؤدي بها تسعة من حروف اللغة العربية، وهذه الحروف هي: ح-ص-ض-ط-ع-غ-ق- وهمزة القطع كما في مساء ووفاء. أن الاتجاه الى خارج حدود اللغة العربية يفسد الغناء وترجع عبقرية سيد درويش فيما ترجع الى محافظته على لغتنا سليمة ليس بها على يديه تشويه أو تجريح، ألا فليسمع الملحنون! ولعل أكبر مؤثر في فن سيد درويش كان تلك المرحلة من حياته حين ضاقت به سبل العيش فاحترف فيما احترف طلاء الجدران والمنازل، لقد نزل سيد درويش الى الشارع يعمل ويختلط بأهل الشارع من أصحاب الحرف وأهل الطوائف، فاختلط بالعربجية والشيالين والسقايين والجرسونات ولم ينس هذه الطوائف عندما صار الفن حرفته فانسابت من روحه ألحان العربجية والبرابرة والصعايدة وغيرهم من الطوائف التي عاش بينها. لقد شب الشيخ سيد في الشارع وعاش في الشارع ولحن في الشارع ولم يكن ربيب البيوت أو الباشاوات فكان إحساسه شعبياً وفنه شعبياً فقد كان من الشعب للشعب. أنا المصري وحينما كان سيد درويش يكتب الموسيقى الغنائية للتخت قبل أن يتجه اتجاهاً مسرحياً كان أول ملحن مصري لم يتقرب الى أهل الحكم في ذلك العهد، ولذلك خلت موشحاته من الألفاظ التركية الغريبة التي كانت تحشر في الغناء العربي حشراً مثل أمان.. يالللي.. تراللم لم.. جانم دوس.. أفندم، ولهذه الألفاظ قصة وحشرها في الغناء العربي مأساة، فقد كان ولاة مصر وحكامها من الأتراك أو المماليك أو المنتسبين إليهم بالحق أو بالزور وكانت صنعة الغناء زمان صنعة لا ينظر إليها المجتمع بعين الرضى فكان كل مغن يحتمي بقصر أحد أصحاب الجاه والسلطان وحضرته تركي لا يفهم العربية ولا يحبها أو يحترمها، فكل من يتكلمها فلاح خرسيس، ولذلك كان المغني يحاول ان يتقرب الى ولي النعم وحامي الفن الباشا التركي او المملوك فيغني له أمان يالللي.. أفندم! ولكن سيد درويش كان أبن بلد من الإسكندرية وكان شيخاً يدين بالعربية ولذلك كانت كل ألحانه مصرية صميمة لا يتطرق الى مصريتها شك، ألا فليسمع الملحنون مرة أخرى. من التخت الى الأوركسترا ويعتبر سيد درويش بحق أول من آمن بأن الأوركسترا يفضل التخت في التعبير الموسيقي، وذلك عندما أتجه الى الموسيقى المسرحية وأقام أسس المسرح الغنائي الحقيقي الذي شهد له بدايات على يد بعض من سبقوه من الملحنين مثل سلامة حجازي، ولكن الاتجاه الى الأوركسترا لم يجعل سيد درويش كافراً بالتخت ولم يبعده عنه، فقد لحن لتخت موشحات متعددة وأدواراً عشرة وطقاطيق لا حصر لعددها والمنولوجات والأناشيد، وليس من المألوف أن يكون إنتاج أي فنان كله إنتاجاً ناجحاً، ولكن الغريب في أدوار سيد درويش العشرة انها كلها على درجة عالية جداً من الأصالة في التركيب وحلاوة النغم وصدق التعبير. - أنا عشقت - ضيعت مستقبل حياتي - أنا هويت - الحبيب للهجر مايل - عشقت حسنك - يالي قوامك يعجبني - يا فؤادي - في شرع مين - عواطفك - يوم تركت الحب كل دور من هذه الأدوار تحفة ولكننا لا نستمع إلا الى القليل منها.. لماذا؟ لا أدري وان كنت أعتقد أن فن سيد درويش لم يلق العناية الكافية بنشره والدعاية له خارج نطاق بعض أعماله المسرحية. ان سيد درويش يكاد يكون الموسيقي الوحيد الذي نسمع عنه أكثر مما نستمع إليه، إن الحديث عن الموسيقى لا يغني عن الاستماع إليها فكفانا كلاماً عن سيد درويش ولنستمع إليه فهذا حق لهذا الجيل وواجب على الدولة أن تقوم به في كل قطاع من قطاعات فنه وهي متعددة اسمعوها تسمعوا عجباً. مؤسس المدرسة القومية وعندما نزح الشيخ سيد درويش الى القاهرة وكان ذلك في الفترة الحرجة من تاريخنا السياسي عندما كان الإنكليز يطعنون حركتنا الاستقلالية في قلبها، لم يكن هناك بد من أن ينفعل الشيخ بهذه الأحداث فكانت ألحانه الوطنية. - منولوج مصر والسودان - بني مصر مكانكو تهيا - نشيد يا مصر يحميك ربك - قوم يا مصري.. وكان نشيد الثورة - بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي ولم يترك الشيخ رواية من روايات المسرحية من دون نشيد أو أغنية حماسية تترجم آمال الشعب.. الشعب الذي كان يغلي شوقاً الى الحرية. - أنا المصري.. كريم العنصرين - دقت طبول الحرب - اليوم يومك يا جنود - عودة الجيش من الإسكندرية الى أسوان وكانت ألحان سيد درويش القومية تنتشر في جميع أنحاء مصر من الإسكندرية الى أسوان بسرعة مذهلة في وقت كانت كل وسائل النشر الموسيقي فيه هي الأسطوانة ولم تكن السلطات الإنكليزية تسمح بطبع الأغاني الوطنية على أسطوانات. وكانت ألحان سيد درويش ألحاناً سهلة جميلة ولذلك كان تناقلها وتداولها أمراً سهلاً فكانت الأغنية تنتقل بسرعة خاصة عن طريق العمد وأصحاب الأطيان الذين كانوا يقضون الليالي الملاح في ملاهي عماد الدين ينفقون القرشين بتوع القطن ويرجعون الى بلادهم يحملون الى الناس فن سيد درويش! ويعتبر المسرح الغنائي المجال الحيوي الكبير الذي أستمد كيانه وحياته من فن سيد درويش، والمذهل أن الأعمال المسرحية الكبيرة التي أودع فيها الشيخ شبابه وحياته لا تتعدى ست سنوات. وسيد درويش هو خالق المسرح الغنائي العربي، حيث جعل الغناء جزءاً من الحركة المسرحية لا تفصل عنها ولا تكمل الا به كما كان الأوركسترا وليس التخت هو وسيلة التنفيذ الصحيحة الناضجة التي وضعت هذا الفن في أجمل صورة وأتم شكل. لحن الشيخ لكل الفرق المسرحية التي أشتغلت في عماد الدين. فرقة جورج أبيض.. لحن لها رواية فيروز شاه. فرقة نجيب الريحاني.. لحن لها روايات (ولو.. اش.. قولوا له.. فشر.. والعشرة الطيبة). فرقة علي الكسار.. لحن لها روايات (البربري في الجيش.. الهلال.. أم أربعة وأربعين.. الانتخابات) وهي آخر ما لحن في حياته القصيرة. فرقة منيرة المهدية.. لحن لها رواية كلها يومين والفصلين الأول والثاني من رواية كليوباترا. فرقة عكاشة.. لحن لها روايات (هدى.. عبد الرحمن الناصر.. والدرة اليتيمة). فرقة سيد درويش.. لحن لها روايات (شهرزاد.. والبروكة). سبع عشرة أوبريت أين هي!؟ نحن لم نقدم من روايات سيد درويش إلا العشرة الطيبة والبروكة على المسرح وأعدت الإذاعة أوبريت شهرزاد بجانب العشرة الطيبة. أين باقي أوبريتات سيد درويش أن النصوص على ما أعلم موجودة والنوت الموسيقية للالحان موجودة والرواة والحفاظ من معاصري سيد درويش ما زالوا أحياء. ناقد موسيقي عراقي راحل مجلة الاذاعة والتلفزيون تموز 1977
كان يرى الفن اكثر مما نراه..سيد درويش وأسرار الفن
توفيق الحكيم
فن الموسيقى في مصر كما عرفناه منذ ثلاثين سنة كان لمع في سمائه ثلاثة نجوم داود حسني وسيد درويش وكامل الخلعي. ولم تكن معرفتي وثيقة بسيد درويش ولكن رواية غنائية لي عرضت عليه فطلب في تلحينها ستمائة من الجنيهات فرأت الجوقة انه قد سأل شططا فسحبتها منه وعهدت بها الى كامل الخلعي الذي رضى بثلاثين.
على أننا كنا نعيش في ذلك الجو الفني العجيب الذي استطاع أن يخلقه سيد درويش كنا نتتبع آثاره الجديدة في كل مكان ونعرف أحداث ألحانه قبل أن تذاع من فمه أو أفواه من التقطوها عنه في ليلة من ليالي وحيه المنهجر.
على أني في ذلك الوقت كنت أكثر احتفاء بما يخرجه هذا الموسيقي المجدد في النوع الجاد من الأوبرا والأوبريت وانه لمن المحزن أن ترى الجيل الجديد يصغي الى هذا الكلام دهشاً لا يتصور كيف أزدهر هذا اللون من الموسيقى في الماضي ومات في الحاضر.
كانت أغان سيد درويش وألحانه الشعبية تسري في الناس كالنار في الهشيم ولكني ما كنت أرى منه أن هذا هو الذي يملؤه بالفخر، لقد كان تواقاً الى الفن في صورته العليا وأنه لعجيب أن يكون لمثل سيد درويش بثقافته البسيطة صورة عليا للفن أتراها غريزة الفنان الأصيل تدعمه الى البحث والغوص فيها وراء السهل والضحل من أشكال الفن، ربما كان الأمر كذلك فسيد درويش لم يكن بالفنان الذي يكتفي بالإلهام ويقعد عن التحصيل.
لقد رأيت سيد درويش بعيني يأتي معنا الى تياترو البكورسال ليشاهد جوقة الأوبرا الإيطالية تعرض توسكا ومدام بتر فلاى ليوتشني والبلياتشو لليون كافللو، فقد كانت دار الأوبرا في ذلك الوقت ترفاً يستطيعه سائحونا ولا تطيقه جيوشنا وكان المسيو دالباني صاحب الكورسال باراً بالفقراء أمثالنا من مجانين الفن، فكان يستقدم لنا فرقا متواضعة تغذينا وتعلمنا بقليل من النفقة، ما من شك عندي في أن سيد درويش كان يرى من أسرار هذا الفن الاوروبي أكثر مما كنا نرى وكان ينتفع ويتمثل ويهضم أضعاف ما كان يتهيأ لمثل بنيتنا الفنية العادية. وكان من أثر ذلك أن طمع في أن يصل بفنه الى مرحلة التجرد الأعلى، التجرد من الشعبية والصور المحلية وأن يقدم موسيقى موسوعة بطابعه وحده لا طابع بيئته بالذات، فقال المرحوم محمود مراد عندما قد إليه رواية "البروكة" ممصرة عن الرواية الفرنسية "لاما سكوت" أنه لا يردها في صورة مصرية ولا شرقية ولكنه يريدها على أصلها بجوها الفرنجي وأشخاصها الأروبيين لأنه مقدم على محاولة جريئة لن يحيد عنها، أنه يريد أن يفرض موسيقاه بطابعها الخاص على ذلك الجو الفني الأجنبي.
وتم له ما أراد وأخرج هذه الرواية بفرقته الخاصة التي كان أنشأها أخيراً وأستأجر لها مسرح دار التمثيل العربي الذي كان مجاوراً لشارع "وجه البركة)، ولا أنسى أبداً تلك الليلة التي ظهرت فيها البروكة لأول مرة، كانت ليلة أنهمر فيها المطر ورعدت السماء وأمتلأت شوارع القاهرة بالوحل والماء ولكننا نحن أنصار سيد درويش ومحبيه وأخوانه ما كنا نشعر قط بما فعلته الطبيعة من حولنا، أننا نعرف أن الطبيعة عدو الفنان لأنها تغار منه وتعده منافساً لها في الإبداع وماذا يهم لو أن السماء أنطبقت على الأرض في تلك الليلة لما فطنا الى ما يجري، فحبنا للفن كان أقوى من الطبيعة ذاتها ورفع الستار عن البروكة أمام عدد من النظارة لا يزيد على الأربعين أو الخمسين بما فيهم الأنصار والأصدقاء وجرت الألحان تصور مختلف المناظر والمواقف والعواطف من نشيد الجنود الظافرة مثل لحن "إملأ الكاسات" الى قوله "الاحتفال بالانتصار".. الخ الى وصف الريف بدجاجه وخرافه التي تصيح ماء ماء في لحن (أحب خرفاني السمان).. الخ، وغيرها من الألحان التي لا تسعفني الذاكرة الساعة بحصرها.
خرجنا من تلك الرواية في شبه ذهول وكان الليل قد أنتصف ولكننا لم نذهب الى بيوتنا أو نأو الى فراشنا فذاك عهد ولى ما كنا نعرف فيه المضاجع قبل الفجر.
جلسنا في قهوة أو على الأصح خمارة مجاورة لدار التمثيل العربي وما لبث سيد درويش أن أقبل علينا مع الصديق المرحوم عمر وصفي وقد نفض عنه ثياب التمثيل وهو يقول: "ما رأيكم"؟ لم يخطر في بال الفنان المسكين أن يسألنا عن رأينا في كساد الحفلة وخواء الصالة ولا خطر في بالنا أن يسألنا في ذلك فقد كنا ندرك أن الرأي المطلوب هو أجل من ذلك عنده وأسمى، الا لأنه كان يريد الأفلاس أو يكره المال، بل لأن فرحة الفنان بفنه تبهره أكثر مما يبهره المال وأن النشوة التي تبعثها خمرة الفن تذهب دائماً بلب الفنان في أول الأمر فتذهله عن كل شيء، أدركنا ما يريد فقلنا لست أذكر والله ما قلنا، ولكن الذي لاشك فيه قد حدث هو أنه قرأ في وجوهنا الجواب أنه قد انتصر.
وفي اليوم التالي قابلت زميليه كامل الخلعي وداود حسني وأبديت لهما ما خامرني من تلك الرواية الرائعة، فهز كل منهما رأسه هزة أعرف مغزاها، كانا هما من أنصار القديم أو على الأقل كانا فيما يبدعان من فن شرقي جيد مكين يسيران في التجديد بحذر واحتياط، لذلك كان لهما في سيد درويش رأي أنه في عرفها ملحن خارج على القواعد والأصول والمعقول والمنقول وتلك هي التهمة الأبدية لكل مجدد جريء.
على اني لا اعتقد ان سيد درويش، كان يعتمد التجديد قهراً أو افتعالاً ولم اسمعه يتحدث في ذلك، كما يتحدث أصحاب النظريات أو قادة النهضات، ولكن التجديد عنده فيما أرى كان شيئا متصلاً بفنه ممزوجاً بدمه لا حيلة له فيه، شيئاً يتدفق من ذات نفسه، كما يتدفق السيل الهابط من القمم، كانت الألحان تنجر منه كأنها تنفجر من ينبوع خفي، حتى عنه هو، لقد سمعته وسمعه بعض أصدقائنا يقول ذات يوم.
أستطيع أن ألحن كل شيء، أستطيع أن ألحن الجرائد اليومية.
نعم، لقد أحس ان لا شئ يقف أمام نبع ألحانه المتفجر، لا النظم واجب له ولا الأوزان، أي كلام عادي يستطيع ان يصب فيه لحنا يحييه كما يصب ماء الحياة في العود اليابس، عند ذلك فهمت لماذا كان يقول لي دائما كامل الخلعي، زن لي كلامك وزنا آخر حتى يستقيم مع اللحن الذي عندي.
" ان كامل الخلعي موسيقي متمكن وهو من غير شك أرسخ قدما في اصول الموسيقى من سيد درويش، ولكن أين له عبقرية هذا الأخير، تلك العبقرية او ذلك السحر الخفي الذي مامس كلاما حتى قلبه نغما تحار فيه العقول.
ومع ذلك لم يصب سيد درويش قدرا كبيرا من تقدير الناس بل أنه كان يقابل أحيانا بالسخرية كلما ظهر على المسرح بجسمه الضخم وصوته الفحل، ولا أنسى يوم مثل البطل في رواية شهرزاد، لقد حزنت وثرت وأنا أرى الجمهور يستقبله بالنكات وهو يرفع عقيرته ويغني " أنا المصري كريم العنصرين " لم يعرف الجمهور ان يقدر فيه صحة النغم قبل رخامة الصوت، ولم تهذب بعد الحاسة الفنية للجمهور المصري، ليدرك ان صحة صوت الرجل هي في رجولته وقوته لا في طراوته وحلاوته، وانا شخصيا كنت أطرب لصوت سيد درويش لأنى ما فهمت الموسيقى قط الا على هذا الوضع.
لا جدال في أن الثورة المصرية كان لها هذا الأثر في توجيه سيد درويش الى الاشادة بالمفاخر القومية في اطار من الصوت الصلب والعواطف الملتهبة والأداء القوي كما كان لهذه الثورة فضل في كل ما اتسم به فن هذا الموسيقي من تجديد، فقد خاض أعوامها شابا متفتح القلب لكل ما تأتى به في الأفكار والأحداث من جديد.
في حين ان كهول الموسيقين في ذلك الوقت من أمثال كامل الخلعي وداود حسني ما تأثروا بالثورة ولا أثروا فيها، وهل يستطيع ان يدرك أعاجيب الثورة أو يشعر بحرارتها إلا الشباب: لقد انكشف لعيني وقلبي معجزة مصر في عام 1919 ورأيت الثورة في كل مراحلها تسفر عن روح خفية باقية أبد الدهر نابضة تسعف مصر بين حين وحين ظل هذا الشعور يلاحقني حتى سجلته في "عودة الروح" فالمعروف ان الثورات لا ينطبع أثرها الا على قلب جديد ملتهب، ولا يملك مثل هذا القلب الا الشباب في فورة شبابهم، لهذا كان سيد درويش ابن الثورة هو قلبها الجديد الملتهب الذي تأثر بها وأخرج فناً قاد به الموسيقى الشرقية الى أفق جديد.
مجلة اخر ساعة
اذار 1951
سيد درويش الفنان الثوري
جهاد علي
لو لم يظهر الشيخ سيد درويش قبل الحرب العالمية الأولى لظهر فنان آخر باسم آخر، ذلك أن الحياة العامة في مصر بدأت تتطور بعد ثورة عرابي 1882م وبدأت الناس تملأ الشوارع بكثرة، ولهذه الاسباب كان لا بد من وجود شخص يتحدث ويغني بلسان حال الجماهير مثل سيد درويش وقد هيأت ما قبل ثورة 1919م الظروف المناسبة حيث أصبحت للجماهير قدرة عالية على مقاومة القمع
والإستبداد وفي أعقاب تلك الحياة القاسية التي تتسم بالجوع والفقر المدقع كان قد ولد سيد درويش في "كوم الدكة" بمدينة الإسكندرية سنة 1892م بعد فشل الثورة العرابية بعشر سنوات وتوفي في الإسكندرية سنة 1923م عن عمرٍ يناهز الـ (31سنة) قضاها في صراعٍ ليس مع الفقر والجوع فحسب بل أيضاً مع اللغة القديمة لغة الأغوات والأتراك ورجال القصور والطرق الفنية القديمة، وكان أبوه يعمل نجاراً وكان يحمل معه إبنه سيد درويش كل يوم: إلى ورشته، لذلك إختلطت أذنه بأصوات الباعة المتجولة والحرفيين والصناع، وكانت الحياة اليومية بالنسبة له خليطاً من أصوات الادوات المهنية وأفواه العمال وتأوهاتهم وأحزانهم لذلك قرر الشيخ سيد درويش أن تكون هذه الأصوات هي فقط من يُعبر عن الآلام الشعبية والأفراح الشعبية وليست لغة الأغوات والباشوات واشباه السلاطين والحكام، من هنا شعر الشيخ سيد درويش أن براءة إختراع النهضة العربية ستكون عما قريب للشعب وللجماهير بجميع تفاصيلها، ومن هذه الأصوات ما زالت الناس إلى هذه الساعة تحفظ لحن الصنايعية صبح الصباح صبح يا عليم والجيب ما فهيش ولا مليم بس المزاج رايق وسليم باب الأمل بابك يا كريم ده الصبر طيب عال إيه غير الأحوال يا إل معاك المال برضه الفقير له رب كريم وقد تعلم سيد درويش إنشاد الأناشيد من معلمه الأول في الكتاب وهو في الخامسة من عمره على يد "سامي أفندي" واصبح في سن الـ (7 سنوات) معلماً للطلاب في نفس كتاب (سامي أفندي) وإنتقل الشيخ سيد درويش إلى محطة جديدة في حياته وهي: المعهد الديني لتجويد القرآن، في مسجد أبي العباس ومع هذا لم يستطع أحد أن يفصل دم وروح الشيخ سيد درويش عن الموسيقى، ولكثرة غيابه عن المعهد، فقد تم فصله منه لمخالفته أدنى قواعد السلوك الديني، وظل ملازماً للعمال والصنايعية في كوم الدكة وبالذات لعمال البناء يغني لهم ويكسر بصوته وألحانه ضوء الشمس الحارق، ولأنه تزوج أول مرة وهو في سن السادسة عشرة، فقد كان عليه أن يوفي، العائلة حق التكافل العائلي بالبحث عن مصدر رزق آخر له ولعائلته فإنضم إلى فرقة "كامل الأصلي" ولكنها لم ترض غرور ذلك العملاق الصغير لأنها كانت للتهريج والترفيه والتسلية التي تجعل من الفنان (مهرجاً أرجوازاً) يسلي الناس ويضحكهم فذهب إلى المقاهي ولكنه هجرها لأنها بيئة مخدرات وخلاعة (وكلاجيات) لأغراض الدعارة ولا ترضي حسه الفني المرهف وتخاصم يوماً مع صاحب القهوة الذي قال له (إنت لا تعمل شيء سوى يا ليل يا عين ولا أدفع عليها إلا 5 قروش فقال سيد إذا كانت يا ليل يا عين بـ 5 قروش (يفتح الله يا مزيكه). وقد تنقل عبر عدة محطات حتى إنتهى به المقام في القاهرة سنة 1917م ومن أروع ما قدم في القاهرة: زوروني كل سنة مره حرام تنسوني بالمره. وأول مسرحية لحنها هي "فيروز شاه" بأجر 20 جنيه، وقد سقطت بسبب الجمهور الذي لا يبحث إلا عن التسلية والترفيه، ويقدر النقاد عدد المسرحيات التي لحنها بـ عشرين مسرحية، ومن هنا بدأ فصلاً غنياً من حياته تعرف خلاله على: أمين صدقي وبيرم التونسي، وبديع خيري. ويعد سيد درويش أول فنان ومبدع ينظر إلى الشعب من خلال ورش البناء والطين والباعة المتجولة في الشوارع، وقدر له بعد ذلك أن يقبض خمسين جنيهاً عن كل مسرحية يلحنها وقال عن نفسه (أستطيع أن ألحن الجريدة) وهو أول من لحن قصيدة مصطفى كامل، من أجل إستقبال سعد زغلول ورفاقه بعد عودتهم من المنفى سنة 1923م ولكنه توفي قبل أن يؤديها أمامه عن عمر يناهز الـ (31عاماً) وكانت كلمات الأغنية إلى اليوم من أجمل الكلمات الوطنية. بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي( ) .... إلخ وشيع جثمانه في الإسكندرية في الوقت الذي وصل به سعد زغلول ورفاقه الإسكندرية لقد عاش سيد درويش جيلاً واحداً من عمره كان به قد ملأ الدنيا وشغل الناس، وإن لم يكن سيد درويش أفظل موسيقار عربي فيكفيه أنه كان أروع أهل زمانه، لقد غنى للشعب وللعمال وللفقراء بنفس الوقت الذي كان به المتسلقون يغنون لأشباه السلاطين بكلمات مغشوشة وألحان مغشوشة، ويكفيه فخراً أنه مثل في غنائه وألحانه الشعب وناب عنه وكان مرآة واقعية صادقة بنفس الوقت الذي ما زال به أفضل الشعر والكلام أكذبه. ويقال أنه فُصل من المعهد الديني بسبب الحالة الاجتماعية والديون التي تركها والده عليه بعد أن توفي وهو في السنة الأولى من الدراسة ولذلك فقد كان سبب تغيبه عن المعهد عائد بشكل رئيسي للبحث عن الخبز بعد وفاة والده، فبدأ العمل في الأثاث المستعمل مع قريب له ثم بائعاً للدقيق ثم "مناولاً" المونة لأحد معاليم البناء، ويقال أيضاً أن مشاكله النسائية جعلته يهرب من موقع إلى موقع وأن سبب شهرته هي بسبب القصص العجيبة والرائعة وراء كل لحن شعبي يؤديه، فأغنية زوروني كل سنة مرة كانت بسبب إمرأة تحبه، قالت له هذه الكلمات بعفوية صادقة فلحنها أيضاً بعفوية صادقة وينسب له أيضاً أغنية: أنا هويته" وهي "دور" من مقام (الكرد)، ومن الموشحات: يا شادي الألحان" من مقام "النهاوند" وهكذا كانت وما زالت أغانيه الشعبية من أعظم ما يؤديه عشاق "الدور" والموشحات والطقطوقه وكانت الناس في بداية حياة سيد درويش، تغادر المسرح وهو يغني لإتهامهم إياه بالفوضى التجديدية التي تهدد اللغة الكلاسيكية العظيمة، بينما كانت الغلابية المثقفة المتنورة تعتبره امتزاجاً بين الشعب وبين لقمة العيش، لم يكن هنالك أصدق من سيد درويش حين غنى: على شان نعلى ونعلى ونعلى لازم نطاطي نطاطي نطاطي وحين غنى: إستعجبوا يا إفندية ليتر الكاز بروبية" وفي أعقاب ثورة 1919م غنى: قوم يا مصري مصر ديماً بتناديك من كلمات الشاعر الشعبي"بديع خيري" ولا ننسى القول أن الشاعر "أحمد رامي" ولد في نفس العام الذي ولد به سيد درويش وكأنهم على موعد وفي سنة وفاته عام 1923 كان قد توفي معه "أحمد باشا كمال" وهو من كبار علماء الآثار في العالم، وهو أول مصري يتخصص بدراسة الآثار المصرية، وكأن بداية الحداثة على موعد مع هذين العملاقين. حول سيد درويش المغنى لسلاح شعبي وغنى للمصرية ذات الملاية السمراء، كان عصره نذير شؤمٍ على الأنظمة العربية القديمة كان أيضاً عصر قاسم أمين، الذي قال للمرأة والزوجة حقوق لقد كان من الخير لأصحاب القصور أن لا يولد سيد درويش، وقاسم أمين، وأحمد رامي، لقد حطم أولئك الاسطورة القائلة أن الثقافة من حق النخبة، لقد غنى أولئك وكتبوا للعمال والنجارين والحدادين ولمجتمع المساكين، الذين أصبح لهم دورٌ مهم بعد ثورة 1919م. وغنى يا عزيز عيني بدي أروح بلدي بلدي يا بلدي والسلطة خذت ولدي لقد أعطى ذلك الجيل للثورة أكثر مما اعطتهم الثورة وقد أخلصوا لقادة الثورة أكثر مما أخلص القادة لهم، وقد إندلعت الثورة في ضل أحداث عالمية شاملة كانت قد شملت ، الهند، الصين وإيرلندا، وبعض مناطق أمريكا، اللاتينية( ). كانت قد إشتعلت الثورة بعد يوم واحد من إعتقال سعد زغلول ن وحمد الباسل، وإسماعيل صدقي ومحمد محمود، لم يكن سعد زغلول وإسماعيل صدقي، وحمد الباسل، هم قادة الثورة، بل كان الجوع والفقر المدقع بعد الأعوام الأربعة التي أعقبت الحرب العالمية الأولي 1914-1918-1919 -1920م لقد كانت تصادر أملاك الفلاحين من أجل الإنفاق على المجهود الحربي، وتم تجنيد (فرقة العمل المصري) لهذه الأسباب، وكانت الاسعار المرتفعة هي البطل العملاق الذي قاد الثورة حيث إرتفعت الاسعار 216 عام 1918 مقارنة بنسبة عام 1914، وإرتفع القمح 31% والسكر 149% والفول 114% والبترول 103% وهو الأمر الذي دفع سيد درويش للقول: إستعجبوا يا أفندية لتر الكاز بروبية. وإرتفع سعر الفحم 9 أمثال( ) قياساً بعام 1914 وهذه الأسعار كانت بمثابة القوة الضاغطة على العمل في السكك ومصلحة البريد ومحطات الوقود، وأصبح جهد العامل العادي لا يكفيه واصبح الأمر يتطلب ساعات عمل إضافية، وهذه الأمور ملفتة جداً للإنتباه، إذ أن العمال كانوا يطالبون بتخفيف ساعات العمل، وكان الجوع والفقر يفتك بحياة الناس وأتحذت لذلك التدابير السريعة غير أن الحكومة لم تستطع ذلك فعملت على توزيع السكر والقمح وبعض المواد الغذائية بالمجان، ولأنها لم تصل إلى مستحقيها، فقد إندلعت الثورة ليس بإيعاز من محمد محمود واسماعيل صدقي، وسعد زغلول وحمد الباسل بل بإشارة من ضغوطات الحياة اليومية وغنى سيد درويش بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى: سالمه ياسلامه رِحنا وجينا بالسلامه ومن المؤسف للثورة أنها إنتهت عند الحدود الشكلية لها وحصل قادتها على إمتيازات دستورية وإستقلال بدائي سنة 1923 وقامت أول حكومة مصرية، سرعان مادب الخلاف بينها وبين كبار المثقفين ، من أمثال: عباس محمود العقاد.
مدرسة سيد درويش الموسيقية
محمد عبد الجبار الجوادي
طرق سيد درويش منهجا جديدا فى التلحين اعتمد فيه أساليب متطورة كما اهتم بتأصيل النغمات المحلية ووضع نصب عينيه مسألة هامة وهى أن تعبر الموسيقى عن الموضوع والمحتوى الكلامي بحيث تنطق بأفضل شعور يمكن أن يتولد عند سماع الجمل والكلمات ،
وقد تحرر من أجل ذلك من كل قيود الماضي التى كبلت الحركة الموسيقية فى قوالب جامدة وأوجد بذلك لأول مرة المدرسة التعبيرية في الموسيقى ولم يكن الطريق سهلا ، فالجديد دائما محل ريبة وشك وعدم ارتياح ، وقد قوبل سيد درويش في أكثـر من مناسبة بالرفض والاستنكار وفشل فى إقناع جمهور الحفلات بفنه فى مراحله الأولى ، لكنه فطن إلى أن صوته لم يكن لينافس أصحاب الحناجر الذهبية في ذلك الوقت فامتنع عن تقديم أعماله بنفسه ، وشجعه أحد أصحاب تلك الحناجر وهو الشيخ سلامة حجازى سلطان الطرب وقتها على المضي قدما في التلحين دون الغناء .
وعرض عليه تلحين أول أوبريت له لفرقة جورج أبيض التمثيلية وهى فيروز شاه ، اقتناعا بموهبته وقدراته وحتى يعرض إمكاناته الفنية قام سيد درويش بتلحين الدور ، وهو أصعب القوالب الغنائية السائدة ، ولحن عشرة أدوار كل منها من مقام موسيقى مختلف ، فكانت أفضل عشرة أدوار فى تاريخ الموسيقى العربية ، وهو بذلك قد أثبت تفوق موهبته على جميع ملحنى عصره فى مجالهم وميدانهم ، وسطع نجمه عاليا كأفضل من لحن الدور ، وبانتهائه من هذه المهمة خلا له الطريق ليقدم ما يشاء دون أدنى انتقاد ، ثم تنافست الفرق المسرحية على إنتاجه بعد أن تبين لها جماهيرية ألحانه وتأثير وقعها البالغ على النفوس
وعنـد مقـارنة ألحان سيد درويش بما قبلها نجد عناصر قد اختفت وحلت مكانها عناصر جديدة أصبحت هى السمات الأساسية للألحان من بعده ، وهو بذلك قد وضع أساليب جديدة فى التلحين
الغناء قبل سيد درويش
كان المطرب يبدأ فى الغناء بعد سلسلة من التمهيدات الموسيقية تبدأ عادة بأحد القوالب الموسيقية التركية وهو " السماعي"
والسماعى يتكون عادة من 4 فقرات أو حركات تسمى كل منها خانة ، ويتكرر بينها جملة موسيقية هي " التسليم" وينتهي بها أيضا
ولكل سماعي نغمة أساسية أو مقام موسيقي أساسي وتتنوع الحركات الأربع بين مقامات قريبة ثم تعود إليه فى التسليم
وبانتهاء تقديم السماعي الذى يستغرق حوالي 10 دقائق يقوم كل عازف بأداء بعض " التقاسيم " المنفردة على آلته بالتناوب مع بقية العازفين ومن نفس المقام الموسيقي والنغمات التى مهد لها السماعي لمدة 10 دقائق أخرى ، ثم يبدأ المطرب فى التمهيد لنفسه يأداء " موال" من 10 دقائق ثالثة يتصاعد فى حرارته ثم ينتهي " بقفلة " حارة يشد يها انتباه الجمهور وإعجابه وعندها يدخل فى الدور أو القصيدة فى 30 – 45 دقيقة ، وبهذا يكون قد أتم وصلة غنائية ، وكلمة وصلة أتت من إيصال أو ربط عدة فقرات ببعضها ترتكز علي نفس المقـام وإن تنوعت في الداخل ، أي أن الوصلة تستغرق بين 60 و 90 دقيقة
الغناء عند سيد درويش
تخلص سيد درويش من كثير من الطقوس الموسيقية التي صحبت الغناء في عصره، وانتقل إلى أسلوب الدخول مباشرة في الموضوع ، وإذا ضربنا مثالا بالسفر إلى هدف معين يمكن الوصول إليه بعدة طرق فقد اختار سيد درويش أقصر وأسرع وأسهل الطرق للوصول إلى قلب المستمع وذهنه ، ولا شك أن ذلك يتطلب براعة خاصة لم تتوفر لغيره وقد كمنت موهبة سيد درويش الأساسية في هذه القدرة التي مكنته من الوصول للناس بتلقائية واضحة
في هذا الجو فاجأ سيد درويش الناس بأغان كاملة مدتها بين 60 و90 ثانية! وهي من الجاذبية بحيث تلتصق بذاكرة المستمع فيرددها تلقائيا بعد سماعها ولو لمرة واحدة! بل ويتذكرها الجمهور لعشرات السنين ، وأمثلة ذلك كثيرة ومنها زوروني كل سنة مرة التي جابت شهرتها الآفاق بينما توارت أدوار العناتيل وراء الزمن!
ولأول مرة منذ عهود طويلة لم يعد الغناء مقصورا على المطرب الفذ وإنما غنت الجماهير ألحانه بسهولة ، ونستطيع القول بأن الانقلاب الذي أحدثه سيد دروبش في الموسيقي لم يكن في الأوساط المحترفة فقط لكنه غير المتلقى أيضا وقد خلق جمهورا جديدا هو غالبية الشعب وخلق من الفن الشعبي فنا راقيا أخرج به الفن من الصالونات إلى المسارح والشوارع والبيوت والمقاهي وردد الناس أناشيده في المظاهرات
وكون هذه الموسيقي الجديدة قد اتجهت لعامة الناس لم يمنعها من الاحتفاظ بقيم فنبة عالية تثير إعجاب الموسيقيين أنفسهم ، وتجعلهم يتمنون لو أنهم تمتعوا بإمكانيات الشيخ سيد وقدموا مثل ما قدم ، وهذا في الواقع هو سر وجود روح سيد درويش الموسيقية في أعمال العديد من الموسيقيين اللاحقين ، بل وجود جمل كاملة من أعماله في أعمال غيره واضحة كالشمس
المدرسة التعبيرية في الموسيقي
التعبير في الموسيقي كاصطلاح غير التعبير بالموسيقي
يندرج تحت التعبير بمفهومه العام أي إحساس يتولد لدي السامع نتيجة سماعه لأنغام معينة ، وهناك مقامات في الموسيقي الشرقية معروفة بتعبيرها عن الحزن مثل الصبا والحجاز ومشتقاتهما ، وهي تحتوي على هذه القيمة سواء صحب الموسيقي كلمات أو لا
ويختلف التعبير بالموسيقي اصطلاحا في أنه لا بد من وجود معنى مسبق قبل وجود الموسيقي التي يراد لها التعبير بمادتها عن ذلك المعنى ، وبعبارة أوجز هو التعبير عن الكلمات باللحن ، فإن لم تكن الكلمات شعرا فموقفا مكتوبا في أي صيغة حتى وإن كانت مجرد عنوان لقطعة موسيقية
وهذا النوع الأخير هو ما قصده سيد درويش وأراد العمل به ، وقد أجاد في ذلك بل هو الذي اخترع هذه المسألة
واتبع سيد درويش في سبيل ذلك أسلوبين ناجحين هما:
1- وحدة العمل استخدام الجو العام للحن من ناحية إيقاعه وتركيب نغماته في التعبير عن المعنى العام للكلمات أو الموقف
2- التصوير المباشر استخدام جمل موسيقية معينة في التعبير عن الجمل اللغوبة أو الكلمات المفردة
وقد استخدم سيد درويش الأسلوبين منفصلين وممتزجين
ج- في التأليف الموسيقي
البنــــاء الفني عند ســـيد درويـــش
م يعرض لنقد البناء الفني عند سيد درويش إلا قلة معدودة من الموسيقيين ، وحتى هؤلاء لم تحظ دراساتهم بالنشر ، وكل ما نشر في ذلك لم يتعد الحديث عن المدرسة التعبيرية عند سيد درويش وهي ما اشتمل على التعبير عن الموقف والشعور والجمل والألفاظ
بالنغمة والإيقاع والتصوير اللحني.
كان هدف سيد درويش هو التعبير بالموسيقي عن كل تلك العناصر وكانت له أدواته الخاصة
وسنعرض هنا إلى تفاصيل فنية ليست بغريبة على الموسيقي الدارس لكنها ليست أيضا بمستغربة على غير الموسيقي إذ يسهل ملاحظة وتتبع آثار وبصمات سيد درويش في البناء الفني عند الاستماع إلى موسيقاه
1- الانتقال النغمي
كيف كان ينتقل اللحن من نغمة إلى أخرى قبل مجئ سيد درويش؟ كان ذلك يتم بالتدريج من نغمة إلى أخرى تالية ثم إلى ثالثة مجاورة في السلم الموسيقي وهكذا وبينما يسيطر على اللحن جو مقام معين تم التمهيد له طويلا قبل الشروع في الغناء فإن التنويع في اللحن يأتي من زخارف نغمية تخرج قليلا عن المقام الأساسي ثم تعود إليه على نفس درجة الركوز
لنأخذ مثالا الأهات في دور " كادني الهوى" لمحمد عثمان ، يتصاعد لحن الآهات من بداية السلم للمقام الأساسي ( نهاوند) تصاعدا بالجملة الموسيقية إلى النغمة الأعلى فالأعلى إلى قمة السلم مع التلوين المقامي بين النهاوند المرصع والنوا أثر ثم النزول إلى درجة الركوز بقفلة متدرجة
بينما نجد في آهات دور " أنا هويت " لسيد درويش تكنيكا جديدا تماما ومغايرا لكل ما جرى عليه العرف ، فهو يبدأ أولا بقمة السلم للمقام الرئيسي ( كورد ) وليس بقاعدته ، ثم يقفز قفزات بين درجات متباعدة بين قمة السلم وثالثته مشكلا جملة موسيقية ناقصة لا تحتمل التصاعد لكنها تحتمل شيئا جديدا هو " الرد " بجملة أخرى تبدأ بسادسة السلم مكونة من حركات متجهة إلى ركوز المقام وبتتابع الجملتين يبدو لنا التصوير اللحنى كسؤال وجواب ينهى الموقف الموسيقى فى لحظات
وفى لحن الوصوليين " عشان ما نعلا " نجد أن النغمات المستعملة فى القفزات هى النغمات الرئيسية للسلم الموسيقى ( أى سلم ) أى الأولى والثالثة والخامسة مع استخدام التكرار الجوابى والقرارى لنفس النغمات عند الحاجة لأبعاد جديدة أكثر ، وهو ما يسمى التوافق أو الأربيج فى الموسيقى الغربية ، والنغمات الأساسية هى التى يعتمد عليها بناء التآلفات النغمية فى علم الهارمونى أو توافق الأصوات ، وبهذا الشكل بنيت الجمل على أساس هارمونى قوى يقبل تآلفات قوية وواسعة المدى
2- الانتقال المقامى
استخدم سيد درويش انتقالات مقامية ، أى من مقام موسيقى إلى آخر ، دون العودة إلى المقام الرئيسى وأمكنه إنهاء اللحن بهذه الطريقة دون أدنى خلل بل على العكس كان شديد المنطقية فى ذلك بحسب سير الكلام الذى يعبر عنه ، وهذا التكنيك لم يعرفه ولم يقره أحد قبله ، وكان سببا فى النقد اللاذع من معاصريه من الموسيقيين ، لكنه أثبت أنه كان على حق بدليل نجاح أغنيته الشهيرة "الحلوة دى " وهى ما أطلق عليها " لحن الصنايعية " ، فقد جاءت الأغنية كلها من مقام الحجاز ثم انتهت بجملتين قصيرتين فى ختام اللحن هما أيضا عبارة عن سؤال وجواب من مقام البياتى على نفس درجة الركوز ، ولم يعد ثانية للمقام الأساسى بعد ذلك ، ويتضح هنا أهمية نظرة سيد دروبش للموقف الدرامى ووضعه فى أولوياته الموسيقية ، فبعد مقدمة وصفية عن حال الصنايعية البسطاء والاسترسال فى شكواهم طوال اللحن يأتى الختام بموقف جديد وهو الدعوة للعمل والاعتماد على الله فى الرزق وبدء الصباح الجديد بهمة جديدة تخرج بنا من الموقف الشاكى الباكى إلى الموقف الواقعى العملى ، ويخرج بنا من مقام الحجاز الحزين إلى مقام البياتى الشعبى المعبر عن الحياة اليومية ،
وقد صحب التغيير فى المقام تغيير أيضا فى الإيقاع سيجئ الحديث عنه فى النقطة التالية
3- الانتقال الإيقاعى
مع انتقال اللحن من مقام إلى مقام فى نهاية " لحن الصنايعبة" انتقل الإيقاع إلى وحدة أطول وأبطأ قليلا ، ولم يكن هذا جديدا فقد استخدم هذا التكنيك قبل سيد درويش للتلوين وخاصة عند الانتقال بين المقامات ، وحينما تتغير بحور الأبيات أو وزن الشعر ، ولكن الجديد الذى جاء به سيد درويش أنه أنهى العمل على الإيقاع الجديد ولم يعد إلى المذهب أو الإيقاع الأصلى ، وعند تحليل الموقف الدرامى نجد أن الذى دعاه إلى ذلك سيادة الموقف الجديد وتخطيه لكل ما سبق ، فبعد استغراق فى عرض حكاية كل يوم من مشقة وعمل دون تقدير وما يصحب ذلك من موقف نفسى سلبى تجىء الكلمات باستدراك كاستدراك شهرزاد التى أدركها الصباح فسكتت عن الكلام المباح ، فالكلمات فجأة تقول ".. الشمس طلعت .. والملك لله .. ما تشيل قدومك .. والعدة ويالله .. اجرى لرزقك .. خليها على الله " ، ومن هنا نجد سيد درويش مخلصا لمدرسته التعبيرية ويقف مع تغليب الموقف الدرامى على أى شئ آخر حتى لو أدى ذلك إلى الانتهاء بغير ما بدأ به مغايرا بذلك العرف القديم ومحطما لقوالبه الجامدة
4- الحوار الموسيقى
بدأ سيد درويش بناء الحوار الموسيقى مبكرا وظهر فى أدواره التقليدية فبل عمله بالمسرح الغنائى المعتمد على الحوار الشعرى ، وهنا نجد الحوار عنده حوارين ، حوار الكلام وحوار الموسيقى ، ويهمنا أن نسجل له ريادته وتفوقه فى الناحيتين
أما تناوله الحوار الشعرى بالموسيقى فلم يسبقه أحد إلى تلحين الديالوج الذى لم يظهر قبل سيد درويش ، وكان أول ديالوج هو "على قد الليل ما يطول" فى أوبريت " العشرة الطيبة"
وأما غناء المجموعات على المسرح فقد ألبس كل دور ما يناسبه فى الموقف الدرامى بحيث بعد عن التطريب التقليدى وجعل حركات المجموعة تعبر تماما عن موقفها ولون فى أدائها وإيقاعاتها بحيث تتفق ما تغنيه مع ما يقوله الحوار
فى لحن الوصوليين نجد الحوار الموسيقى واضحا فى التباين بين الجملتين الصاعدة ( عشان ما نعلا ) والهابطة ( لازم نطاطى ) بما يتماشى مع التركيب اللغوى أى الجملة الشرطية التى توحى للسامع بانتظار جواب الشرط ، وهو تكنيك مشابه لتكنيك السؤال والجواب
فى نهاية أوبريت شهرزاد موقف معقد لكنه منطقى فهناك مجموعتان لكل منهما موقف يظهر فى ذات الوقت فهذه مجموعة تهتف بشئ وتلك أخرى تهتف بشئ آخر ، فكيف تعامل سيد درويش مع هذا موسيقيا؟ لقد اختار أن تغنى المجموعتان معا ، كل فى كلامه ولحنه الخاص ، وأن يخرج اللحنين معا كلحن واحد ، فصحيح أنهما مجموعتان وموقفان لكن الحدث واحد ، فأنشأ تكوينا متباينا يمكنهما من أداء اللحنين فى نفس الوقت دون أدنى اضطراب بل فى تكامل تام ، وهو مايسمى فى الموسيقى الغربية التأليف الكونترا بونتى .. فعلها سيد درويش وهو لم يدرس حرفا واحدا من ذلك العلم العويص كما قال الدكتور حسين فوزى فى تحليله
9- بساطة الألحــان
الألحـان الشعبية:
استخدم سيد درويش فى ألحانه جملا بسيطة اعتمدت أساسا على التراث الشعبى المتداول كفولكلور ، فى صياغة فنية حديثة أكسبتها روحا جديدة ، وليس أدل على بساطة الألحان أكثر من سهولة ترديدها وحفظها على ألسنة الناس ، ولم تكن هناك حاجة لمطرب محترف لأدائها فيما عدا الأدوار والموشحات ، وأفضل وصف لموسيقاه هو السهل الممتنع ، حيث لم يستطع أحد إبداع مثل ما أبدعه من ألحان من نغمات بسيطة التركيب
موسيقى الأناشيد:
يعتبر سيد درويش أفضل ملحن للأناشيد على الإطلاق ، ولم يعرف لمصر أناشيد قومية قبله ، وأناشيد سيد درويش وصفها الشاعر بديع خيرى بقوله أنها تبث الحماس فى الجبان!
وقد صاغ أناشيده غالبا على إيقاع المارش الرباعى وإن شذ عن ذلك فى نشيد قوم يا مصرى وإيقاعه من الفالس الثلاثى ، وهذه التجربة لم تحدث قط من قبل ، لا فى الشرق ولا فى الغرب ، ولذلك وصفه بعض المحللين الغربيين بأنه فنان مجدد ومبتكر
ولعرض الخصائص الأربعة السابقة فى عمل واحد نأخذ مثالا من نشيد بلادى بلادى
نجد فى لحن هذا النشيد الخصائص الأربعة السابقة واضحة تماما وهى: ضبط البنــاء اللحنى ، اختصار اللزم الموسيقية واستخدام التبـاين محل التلوين ، إلى جانب بساطة اللحن
والنشيد عموما يختلف غيره من الأشكال الموسيقية بكونه أداة تعبير عن الجمهور ، ولذلك يلزم له تلك الخصائص الأربع بالذات وإلا احتاج لأحد المطربين ليقوم بغنائه
ولنتأمل جمل النشيد لنرى كيف تظهر تلك الخصائص
يتكون نشيد بلادى من مقطعين رئيسيين هما المذهب والكوبليه
المذهب مكون من جملة كاملة من بيت واحد فى شطرتين هما
بلادى بلادى .. لك حبى وفؤادى
وتكون الكوبليه من بيتين شطرتان فى كل منهما
مصر يا أم البلاد .. أنت غايتى والمراد
وعلى كل العبـاد .. كم لنيلك من أيادى
ضبط البنــاء اللحنى
إذا قمنا بعد الأزمنة الموسيقية فى أى شطرة نجدها مماثلة لعدد الأزمنة فى الشطرة المقابلة فى نفس البيت ، وأيضا لعدد الأزمنة فى الشطرات التالية حتى نهاية النشيد ، وهناك وحدتين زمنيتين فى كل شطرة من المذهب ، ونلاحظ هنا أيضا مسالة تربيع الجمل الموسيقية أى جعلها فى وحدات تتكون كل منها من 4 مازورات
اختصار اللزم الموسيقية:
لا توجد أية لزم موسيقية فى هذا اللحن
استخدام التبـاين محل التلوين:
الشطرة الأولى تقف على معلقة الدرجة الثانية ، تتبعها الثانية لتقف على الدرجة الأولى منهية المذهب على درجة ركوز المقام
الشطرة الأولى من البيت الأول فى تقف على الدرجة الثانية ، فالشطرة الثانية على الدرجة الثالثة ، فالشطرة الثالثة على الدرجة الخامسة ، فالأخيرة منهية الكوبليه على أساس المقام
تتجلى بساطة هذا اللحن فى أن أبعاده الغنائية لم تتعد الدرجات الخمس الأولى من السلم الموسيقى ، وتبدأ الحركة الأولى بقفزة تأتى من خارج الزمن من الدرجة الخامسة للأوكتاف الأدنى وكأنها استعداد وتحضير لبدء الغناء المنظم للمجوعة مع أول دقات المارش
ويضاف إلى ذلك تكرار اللحن فى الكوبليهات ، بحيث تتغير الكلمات فقط ، وهذا الأسلوب ضرورى للتركيز على وحدة اللحن والجو العام من ناحية ومن ناحية أخرى لتسهيل ترديده على الناس
وهذا ليس فقرا من سيد درويش فإن نشيد بلادى من أعظم أعماله جميعا على بساطته ، وهذا يذكرنا بأعظم أعمال بيتهوفن فى السيمفونية التاسعة المسماة بالكورالية ، وهى الوحيدة التى تضمنت غناء ، فبعد أن أدلى كل بدلوه موسيقى وغناء جاءت قمة العمل بصوت مجموعة الكورال تؤدى لحنا اشتهر فى العالم كله ومازال يغنى للآن حتى فى أبسط الصور دون أوركسترا ويعزفه الكبار والصغار ، ولم يكن نجاح هذا المقطع ، وبالتالى السيمفونية كلها ، إلا بسبب بساطة لحنها.
*باحث موسيقي عراقي .. عن مجلة فنون ايلول 1984
مسرحية تؤكد أن الأغنية نسبت إلى سيد درويش جورا
علي مندلاوي
ينتشر الجدري في المدينة، فيغطي الطفح الاحمر وجه الطفل عثمان الذي ينجو من المرض، لكنه يدفع نظره ثمنا لحياة سترفعه لاحقا الى قمم لم يبلغها غيره في عصره! انه الملا عثمان الموصلي (1854) الذي احتفى به العراق من خلال مهرجان استمر ثلاثة ايام،
أقيم بالتعاون بين وزارتي الثقافة في الحكومة الفيدرالية العراقية وحكومة إقليم كردستان. وكان مهرجانا مماثلا نظم خلال العام الماضي للاحتفاء برائد المقام العراقى «القبانجي» في مدينة السليمانية الكردستانية. تضمن المهرجان، برنامجا مزدحما بالندوات التي القت الضوء على حياة الفنان وتراثه، وجلسات دراسية تطبيقية لطريقته في العلاج بالموسيقى الصوفية، خاصة انه المؤسس للمدرسة المولوية للانشاد الديني، بالاضافة الى حفلات غنائية وموسيقية لفرق غنائية وبيوت مقام، وقراء ذكر، ومطربين من بغداد والموصل ومدن كردستان. وكان اللافت في برنامج الافتتاح الذي ضم معرضا للصور الفوتوغرافية والآلات الموسيقية وكلمات منظمي المهرجان، ذلك الاستعراض الغنائى المسرحي لحياة وأعمال الموصلي، والذي اخرجه الفنان رياض شهيد. تحدثت المسرحية عن اجتياح الجدري لمدينة الموصل بعد سنوات قليلة من ولادة ملا عثمان، ثم إصابته بالمرض، وتسببه له بالعمى الابدي. المسرحية تتبعت الخطى العنيدة للفتى الضرير وسعيه للعلم والمعرفة، فتراه يترك الموصل لينحدر جنوبا صوب بغداد، ويتتلمذ على يد شيخ قراء المقام في ذلك الوقت «شيلتاغ»، وينتقل بعدها الى دراسة فنون الايقاعات والاوزان والعزف على الآلات الموسيقية، ويعود ملا عثمان الى الموصل، ليستمر في نشاطه الدؤوب في تلقي العلوم والاداب. كانت شهرة الموصلي قد اتسعت في ذلك الوقت، لذلك يرسله والي المدينة موفدا منه الى السلطان عبد الحميد الذي يستقبله بحفاوة بالغة، ويجعله من خواصه، ثم يبعثه سفيرا يدعو لاستمرار حكمه في بلاد العرب. تسبق شهرة الملا عثمان وصوله الى القاهرة، فيسعى للتتلمذ على يديه عبده الحامولي وسيد درويش. وهنا سلطت المسرحية الضوء على خبايا على درجة كبيرة من الاهمية، وكان هذا مبعث دهشة الجمهور وحبوره، فهو الذي لحن اغنية «زوروني كل سنة مرة» التي تنسب منذ وقت طويل لسيد درويش، بينما هي في الاصل للموصلي، وكانت تغنى للرسول الكريم بعبارة «زوروا قبر الحبيب مرة» والحان شهيرة اخرى مثل: «طلعت يا محلى نورها» و«آه يا حلو يا مسليني» اضافة الى موشحات رددها مؤدون آخرون خلال العقود الاخيرة مثل موشح «هب الصب» و«الغصن الريان» و«الليالي عطرت احلامنا». أما الحان الملا عثمان التي أداها العراقيون بلهجتهم والتي نسبت الى الفولكلور الشعبي فهي كثيرة ايضا، ومن اشهرها تلك التي أداها ناظم الغزالى «يم العيون السود». اصدر الموصلي خلال اقامته في القاهرة مجلة باسم «المعارف» وعندما حل في الشام لقب بالشيخ الجليل عثمان، وكان مثار اعجاب الصفوة من الادباء والفقهاء والفنانين. اتقن الفارسية والتركية الى جانب العربية، وكتب الشعر وكان اديبا مفوها الى جانب مهاراته في الموسيقى والتلحين.
سيد درويش وتطوير الأغنية العربية
الحديث عن سيد درويش لا يكاد ينتهى إلا ويبدأ من جديد
إن الجو الذى خلقه سيد درويش بموسيقاه أثر بعمق فى وجدان الناس واستمر أثره لعشرات السنين ولا زالت موسيقاه تحدث نفس الأثر كلما سمعت ولا يمل المرء من تكرار سماعها إذ أنها تميزت تميزا فريدا في الأصالة وحسن التعبير
الحقيقة هي أن فن سيد درويش جزء من تراث أمة تعتز بمبدعيها كما تعتز بأصالتها ، وهو جزء من كفاح شعب متصل من أجل آمال تحققت وآمال لم تتحقق بعد.
ها نحن نكتب عن سيد درويش بعد مرور أكثر من ثمانين عاما على وفاته ، وكاتب هذه السطور قد ولد بعد وفاة سيد درويش ، فما الذى يدعونا إلى ذلك؟ سنحاول هنا أن نجيب على هذا السؤال.
كتب كثيرون عن سيد درويش وظهرت أعماله فى الإذاعة والمسرح والسينما والتليفزيون بعد وفاته بسنوات طويلة ، وهو هنا يختلف عن غيره من الفنانين الذين استمرت أعمالهم بعد وفاتهم ، إذ أن موسيقاه قد ظهرت ثانية بعد فترة طويلة من التواري زادت على ثلاثين عاما أعقبت وفاته المفاجئة عام 1923
فكيف تعود وبقوة بعد هذا الانقطاع الطويل وتنتشر فى أجيال لم تعاصر سيد درويش ولم تسمع أعماله قط
صدر أيضا عن سيد درويش عديد من الكتب والمقالات ، ونحاول نحن هنا التركيز على الجوانب الفنية فى أعماله أكثر من أحداث حياته.
ترى ما الذى جعل من سيد درويش فنانا على أي حال؟
ولد سيد درويش مرتين ، الأولى هي ولادته الجسدية لأمه وأبيه في الإسكندرية عام 1892 .
والثانية هي ولادته الفنية لوطنه وأمته في بالقاهرة عام 1917. فى أسرة بسيطة في أحد أحياء الإسكندرية العريقة وهو كوم الدكة ولد الطفل سيد درويش ، وحي كوم الدكة هذا حي غريب في كل شيء ، فهو على ربوة عالية في وسط المدينة تطل على أحياء الوسط الراقي بينما تفصله عن ذلك الوسط حواجز اجتماعية واضحة ، كوم الدكة ليس به مدرسة ، فقط كتاب صغير لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم بسيط ، بينما فى الخارج مدارس أجنبية ومسارح وشركات وجمعيات خيرية دولية نشطة ، والحي كما لو كان قرية في وسط المدينة.
انتمى سيد درويش مباشرة إلى الاثنين معا ، حيه الشعبي ومدينته التي جمعت ثقافة أوروبا كلها ، وهكذا جاء فنه أيضا ، أصيلا شعبيا لكنه التف فى ثوب حضاري متقدم للغاية
لم ينشأ سيد درويش فى أسرة فنية ولم يجد أحدا يشجعه على السير فى اتجاه الفن ، بل على العكس لقى العنت والتعنيف والإكراه على عمل أشياء لم يجد فيها إحساسه بذاته ، وفى ظل ظروف معيشية غاية فى القسوة كان الفن بالنسبة لمثله ترفا لا يمكن لمسه
حمل الفتى الصغير مسؤوليات أكثر من طاقته فقد توفى والده وهو فى السابعة، وحملته أسرته على الزواج المبكر فى السادسة عشرة من عمره ، واضطرته تلك المسؤوليات إلى العمل مبكرا من أجل الأسرة الجديدة وهو لم يكمل تعليمه بعد .
فى هذه الظروف كان الفنى الصغير يبحث عن وسيلة للتعبير عما فى نفسه من ضغوط وعن أحلامه فى الحياة ، فلم يجد أفضل من الموسيقى ، وانجذب بحسه العالي إلى ما سمعه من أساتذته فى المدرسة وبدأ يبحث بنفسه عن مصادر أخرى لهذا الفن فأخذ يتردد على ألأماكن التى تقدم الفنون في مدينته الهادئة الإسكندرية ، المحلى منها والأجنبى ، ثم بدأ يردد ما حفظه على أسماع أصدقائه.
كان سيد درويش طالبا بالمعهد الدينى بمسجد أبى العباس المرسى الشهير ، لكن أصدقاءه وجدوا فى الشيخ الصغير موهبة تستحق الاستماع إليها فدعوه لإحياء حفلاتهم العائلية ، وسرعان ما انتشر الأمر فطلبه آخرون وعرضوا عليه أجرا مقابل ذلك فقبل
حاول الشيخ عندئذ العمل بالفن لكنه لم يفلح ، ومن أعاجيب القدر أنه عندما استسلم لضغوط الحياة وبدأ يعمل كبناء لحساب أحد المقاولين فإذا بهذا العمل نفسه يقوده إلى أبواب الفن ، فهاهو المقاول يكتشف فيه موهبة ذات فائدة عظيمة عندما سمعه يغني وسط العمال وهم يرددون غناءه ، لم يكن المقاول فنانا لكنه ، تماما كشركات الإنتاج ، ومن زاوية مصلحية بحتة ، عرض على سيد درويش التفرغ للغناء للعمال بينما يحتفظ بنفس الأجر لما وجد أن غناءه أثناء العمل يزيد من حماس العمال ويجعلهم يعملون بلا كلل أو ملل ، فاستراح الشيخ الصغير من عناء العمل وتفرغ للغناء.
فى معظم ما كتب ونشر عن سيد درويش اهنم الكتاب بتأصيل حياته والأحداث التي مر بها أكثر من اهتمامهم بموسيقاه ، ويرجع ذلك إلى أن معظم من أرخوا لسيد درويش هم من غير الموسيقيين ، أما الشأن الفني فلم يحظ بالاهتمام الكافي ، ونجد فى الفيلم السينمائى الوحيد الذي أنتج عن سيد درويش ضحالة تامة فى القصة والسيناريو والإخراج ، بل وإساءة أيضا إلى شخص الفنان المبدع والثائر على الفساد والاستعباد ، العاشق للوطن وللحرية ، والغيور على فنه والمحترم له ، والمجدد، بل الباعث لنهضة فنية استمرت لعشرات السنين وألهمت أجيال كثيرة بعده ، ورغم أن فنانا مثله يمكن أن نرى له عشرات الأفلام العظيمة دون أن يتكرر فيها مشهد واحد ، ويكفيه ما قدمه من أوبريتات رائعة ، أنتج بعضها على نفقته الخاصة.
ومما يدعو للدهشة أنه رغم اعتراف الجميع ، من أهل الفن ومن خارجه ، بفضل سيد درويش إلا أننا لا نرى أيا من أعماله تدرس أو تبحث فى معاهد الموسيقى ، ومازالت المناهج الموسيقية الشرقية فى مصر رائدة الفنون تعتمد على التراث التركى فى معظمها وربما يقول قائل أن سيد درويش لم يترك ثروة أكاديمية يمكن أن تعين في صياغة مناهج التعليم والتدريب ، لكن الشيخ سيد ترك أكبر ثروة فنية في تاريخ الموسيقى العربية على الإطلاق ، ليس بالكم بل بالكيف ، إذ أن كل لحن وكل قطعة تستحق الدراسة والتأمل
في أدواره العشرة نجد كل دور من مقام مختلف عرض فيه سيد درويش الكيفية المثلى لمعالجة نغمات هذا المقام.
وفي ألحان رواياته هناك أكثر من 200 لحن لم تتكرر فيها جملة واحدة ، وفيها من اختلاف المواقف ما يكفي لعرض جميع حالات الشعور الإنساني وكيفية التعبير عنها.
أضاف مقاما موسيقيا جديدا (!) للموسيقى الشرقية أسماه الزنجران أبدع منه أحد أدواره ، ولحن منهالأساتذة اللاحقون .
شرع فى تأليف كتاب موسيقى يضم نوت ألحانه .
ومع انشغاله بتلك المهمة التاريخية لم ينس أن يكتب مقالاته في الثقافة الموسيقية للصحف والمجلات يعلم وينور ، وكان يوقع بإمضاء خادم الموسيقى سيد درويش.
ولكن لم يمهله القدر أكثر من ست سنوات هي كل عمره الفني ، فقد بدأ فى سن 25 ورحل في سن 31 ، ولم يكن ليتسنى له التفرغ لعملية أكاديمية وهو مشغول تماما بإنتاج أعظم ما أنتجته مصر من فن فى تاريخها الطويل .
لقد قام سيد درويش في مصر بما قام به بيتهوفن فى ألمانيا ، حيث صعد الاثنان ، كل بموسيقاه ، إلى القمة ، وفي حين مهد لظهور بيتهوفن عمالقة مثل باخ وهايدن وموتسارت فقد ظهر سيد درويش بانقلاب كبير لم يسبقه تمهيد.
امتد تأثير سيد درويش إلى كامل المنطقة العربية عن طريق من ساروا على نهجه بعد رحيله ، وقد عاصر سيد درويش أواخر العصر الرومانسي الأوروبى الذي شهد آخر مؤلف عام 1922 وهو جريج النرويجي ، وترامت إلى مسامعه أعمال رواد الفن الموسيقي الأوربى حتى فيردى الإيطالي الذي صاغ أوبرا عايدة المصرية لحفل افتتاح قناة السويس عام 1869، وكان رغم أعجابه بأعمالهم لا يقلدهم , وإنما كانت موسيقاه معبرة تماما عن إحساس ومزاج الشعب المصري الذي حرم طويلا من ممارسة الفنون الراقية بفضل الاستعمار التركي العثمانى الذي احتكر فن الموسيقى وصبغها بصبغته وقصر ممارستها على الطبقات الإقطاعية وأفراد الأسر المالكة. وتنوع إنتاج سيد درويش ليشمل أنماطا عدة من التأليف الموسيقى حاول بها إثبات أن كل شيء مكتوب يمكن أن يلحن ويغنى مادامت هناك فكرة ورأى وموقف وإحساس ، حتى الأنماط الأقدم استعملها في أساليب جديدة ، وما يهمنا هنا هو أن موسيقى هذا الفنان قد احتوت على قدر عال من القيم الفنية يجعلها جديرة بالدراسة والتحليل والتأصيل والتنميط ، ونحن نشعر بينما نستمع إلى ألحانه أننا نستمع إلى أصول وليس إلى فروع أو تقليد.
مجلة افاق عربية - ملحق اضاءات ملف عن سيد درويش بمناسبة ذكرى ميلاده
اذار1985
سيد درويش شيخ الموسيقى العربية
سعاد الهرمزي
فن السيد درويش جزء من تراث أمة تعتز بمبدعيها كما تعتز بأصالتها ، وهو جزء من كفاح شعب وكتب كثيرون عن السيد درويش وظهرت أعماله فى الإذاعة والمسرح والسينما والتليفزيون بعد وفاته بسنوات طويلة ، وهو هنا يختلف عن غيره من الفنانين الذين استمرت أعمالهم بعد وفاتهم ،
إذ أن موسيقاه قد ظهرت ثانية بعد فترة طويلة من التواري ولظروف سياسية زادت على ثلاثين عاما أعقبت وفاته المفاجئة عام 1923 فكيف تعود وبقوة بعد هذا الانقطاع الطويل وتنتشر فى أجيال لم تعاصر السيد درويش ولم تسمع أعماله قط.. ولد السيد درويش مصطفى البحر مرتين ، الأولى فى 17 مارس 1892عندما وضعتة والدتة فطومة الوردانية في بيتهم بحارة البوابة المعروفة بحارة الحاج بدوي ووالده هو المعلم درويش مصطفى البحر وتلك ولادته الجسدية والثانية هي ولادته الفنية لوطنه وأمته في 1917بالقاهرة في أسرة بسيطة فى أحد أحياء الإسكندرية العريقة وهو كوم الدكة ، لم ينشأ السيد درويش فى أسرة فنية ولم يجد أحدا يشجعه على السير فى اتجاه الفن ، بل على العكس لقي العنت والتعنيف والإكراه على عمل أشياء لم يجد فيها إحساسه بذاته ، وفى ظل ظروف معيشية غاية في القسوة كان الفن بالنسبة لمثله ترفا لا يمكن لمسه وحمل الفتى الصغير مسؤوليات أكثر من طاقته فقد توفي والده وامتهن السيد درويش حرفة النجارة وهو فى السابعة، وحملته أسرته على الزواج المبكر في السادسة عشرة من عمره واضطرته تلك المسئوليات إلى العمل مبكرا من أجل الأسرة الجديدة وهو لم يكمل تعليمه بعد في هذه الظروف كان الفتى الصغير يبحث عن وسيلة للتعبير عما فى نفسه من ضغوط وعن أحلامه في الحياة فلم يجد أفضل من الموسيقى ، وانجذب بحسه العالي إلى ما سمعه من أساتذته فى المدرسة وبدأ يبحث بنفسه عن مصادر أخرى لهذا الفن فأخذ يتردد على ألأماكن التي تقدم الفنون في مدينته الهادئة الإسكندرية ، المحلي منها والأجنبي ، ثم بدأ يردد ما حفظه على أسماعهم من الحان وكان السيد درويش طالبا بالمعهد الديني بمسجد أبى العباس المرسى الشهير ، لكن أصدقاءه وجدوا فى الشيخ الصغير موهبة تستحق الاستماع إليها فدعوه لإحياء حفلاتهم العائلية ، و حاول عندئذ العمل بالفن لكنه لم يفلح ، ومن أعاجيب القدر أنه عندما استسلم لضغوط الحياة وبدأ يعمل كبناء لحساب أحد المقاولين فإذا بهذا العمل نفسه يقوده إلى أبواب الفن فها هو المقاول يكتشف فيه موهبة ذات فائدة عظيمة عندما سمعه يغنى وسط العمال وهم يرددون غناءه ، لم يكن المقاول فنانا، ومن زاوية مصلحية بحتة عرض على السيد درويش التفرغ للغناء للعمال بينما يحتفظ بنفس الأجر لما وجد أن غناءه أثناءالعمل يزيد من حماس العمال ويجعلهم يعملون بلا كلل أو ملل فاستراح الصغير من عناء العمل وتفرغ للغناء فى عام 1909 يتدخل القدر مرة أخرى فيسمع غناءه رجلان من الشام وهما أمين وسليم عطا الله صاحبا فرقة مسرحية تعمل بالشام ، عرض الرجلان عليه على الفور العمل بفرقتهما فقبل الشيخ السيد وسافر فى أول رحلة له خارج مصر وعمره حينئذ حوالي 17 عاما ، لكنه لم يمكث غير عشرة شهور لم يوفق فيها ماديا لكنه جمع تراثا موسيقيا قيما خاصة بعد لقائه بالموسيقي المخضرم عثمان الموصلى في عام 1912 التقى سيد درويش بالموصلي مرة أخرى في رحلة ثانية إلى الشام مع الفرقة نفسها وأكمل خلال تلك الرحلة ما كان يتوق إلى جمعه من مواد التراث وعاد بعد عامين وقد أحضر معه العديد مما عثر عليه هناك من الكتب الموسيقية في عام 1914 عاد السيد درويش للعمل بمقاهي الإسكندرية لكنه لم يكتف بتقديم ما حفظه عن اهل الطرب القدامى ، ولكنه بدأ يبدع ألحانه الخاصة فقدم أول أدواره يا فؤادي ليه تعشق من مقام عجم عشيران وتتابعت ادواره العشرة ياللى قوامك يعجبني
(حجاز نكريز) – عواطفك دي اشهر من نار (نوا اثر) – عشقت حسنك (بسته نكار) – ضيعت مستقبل حياتي (قار جعار) – الحبيب للهجر مايل (راست) – يوم تركت الحب (هزام ) – في شرع مين (زنجران) - انا عشقت (حجاز كار) – والدور الاخير انا هويت وانتهيت (حجاز كار كرد) كما ظهرت أغانيه القصيرة السريعة إلى الوجود وغناها بنفسه كما رددها غيره من اهل الطرب وبدأ نجمه يعلو فى المدينة عندما سمعه الشيخ سلامة حجازي أثنى عليه وعلى الفورعرض عليه العمل بفرقته بالقاهرة فقبل الشيخ السيد درويش الغناء بين الفصول وهو تقليد معروف في ذلك الوقت لطول الزمن بين الفقرات لكنه تلقى استقبالا فاترا من الجمهور الذي تعود صوت سلامة حجازي ، وأصيب الشيخ سلامة نفسه بصدمة جعلته يخرج إلى الجمهور ليقدم سيد درويش قائلا : ” هذا الفنان هو عبقري المستقبل لكن الشيخ السيد أصيب بإحباط كبير جعله يعود إلى مدينته في اليوم التالي ، 1917 طلب منه التلحين ولفرقة أبيض ولرواية كاملة هي ( فيــروز شاه ) كانت فيروز شاه تجربة خاصة من جورج أبيض الذي اعتاد المسرح الجاد وقرر أن يخفف شيئا من مادته فى هذا العرض كى يجتذب جمهورا أكبر مثل ذلك الذى يرتاد المسرح الكوميدي ، ولم تنجح تجربته لكن الجمهور جذبه شيء جديد هو طبيعة واخلاص ألحان السيد درويش ، لقد تركت انطباعا بأن فنا جديدا أتى وأنه أقوى من أن يعرض مرة واحدة وبعد ذلك قدم ايضا موسيقى رواية راحت عليك وهى الرواية الثانية لفرقة جورج ابيض والاخيره و تناثرت الأخبار إلى الفرق الأخرى المنافسة التي عزمت على استثمار الحدث لصالحها فتسابقت لاكتساب سيد درويش إلى جانبها واصبح يلحن لجميع الفرق المسرحية بالقاهرة فرق نجيب الريحاني ، على الكسار ، منيرة المهدية ، وكان عطاؤه غزيرا حتى قيل عنه أن باستطاعته تلحين خمس روايات في شهر واحد.. عام 1919 اندلعت الثورة الشعبية بقيادة سعد زغلول وكان للشيخ السيد فضل تغذيتها بالأناشيد الوطنية والأغاني التى تعرضت لكل ما هو وطني ، و الثورة على القصر الفاسد والاحتلال الأجنبي قدمت روايات محلية حوت على كثير من الرمز ضد الاستبداد وأعلت كثيرا من شأن القيم والرموز الوطنية والشعبية وحقيقة قام المسرح بدور كبير في هذا الاتجاه وكانت ألحان سيد درويش هي السبب في نجاح هذه المسارح والفرق بانتشارها العارم بين الناس وبسرعة فائقة غير أن طموحات سيد درويش لم تكن مسرحية ولم تكن مادية بل كانت موسيقية بالدرجة الأولى ، هو يريد موسيقى أفضل ، وإن كان المسرح هو الوسط الملائم فليكن ، لكنه اصطدم بإدارات تلك الفرق التى تريد الهزل ولا بأس به إلى جانب الجد ، كما تريد تقليل النفقات ما أمكن ، فعمل على إنشأ فرقته الخاصة ليستقل بنفسه فى عام 1921.
أنشأ سيد درويش فرقته الخاصة وقدم بها روايات العشرة الطيبة لمحمد تيمور والتي عرضتها فرقة الريحاني اولا وشهرزاد لبيرم التونسي والباروكة لم يكن سيد درويش وحده في الساحة الفنية وقتها فقد كان هناك عملاقان عالمان هما داود حسني وكامل الخلعي ، وهما ملحنان الاول يهودي واسمة ديفييد ليفي والخلعي من كوم الشقافة أجادا التلحين خاصة للمسرح وقاما بتلحين أعقد النصوص حتى الأوبرا وكان على سيد درويش ، الذي لم يختلط بهما ، منافستهما وأن يخرج من تلك المنافسة متفوقا وبسلام وربما كان سر ذلك فى ان الفنان الكبير سيد درويش لم يعتبر نفسه محترفا في أية لحظه ، كان هاويا إلى درجة العشق ، عشق الفن والجمال والحرية والتعبير ، ولم يكن الفن عنده مهنة كغيرها لكسب القوت ، وإنما رسالة سامية وواجب وطني ، ويذكر عنه رفيق دربه بديع خيرى أنه عندما عانت فرقته من مصاعب مادية كان ينزل إلى وسط البلد وهو مفلس فيسمع ألحانه تقدمها الفرق الأخرى فيعود إليه إحساسه بالسعادة وينسى كل الهموم وهو ما لابد ان نذكره ما حدث فى عام 1921 قرر سيد درويش بعد نجاحه أن يكتب عن الموسيقى ، فكتب للصحافة مقالات موسيقية كان يقصد بها توعية الجمهور والتثقيف الموسيقى العام واعتبر هذا الميدان الذي لم يرتاده أحد قبله أحد واجباته تجاه الرسالة الفنية التي حمل لواءها ، وكان يختم مقالاته بتوقيع ”خادم الموسيقى السيد درويش“ ، ثم قرر أن ينشر كتابا يضم نوت ألحانه واتفقت معه إحدى الصحف على نشر الكتاب في حلقات ولم يكن هناك باب إلا وطرقه من أجل توصيل رسالته والمشاركة في المد الشعبي والقومي الصاعد حينذاك بكل ما يستطيع من طاقة السيد درويش وحبه لمصر واخذ من أقوال الزعيم مصطفى كامل بعض عباراته وجعل منها مطلعا لنشيد وطني وتعاون معه المؤلفين محمد يونس القاضي ومجد الدين حفني ناصف بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي ولحن أيضا نشيدا وطنيا من نظم احمد شوقي ومطلعه بني مصر مكانكم تهيأ - فهيا مهدوا للملك هيا - خذوا شمس النهار حليا، كما لحن في مناسبة أخرى نشيد وطنى من نظم بيرم التونسي تقول كلماته
أنا المصري كريم العنصرين بنيت المجد بين الاهرامين
جدودي أنشأوا العلم العجيب ومجرى النيل في الوادي الخصيب
لهم في الدنيا آلف السنين ويفنى الكون وهم موجودين
وأنشد في جماعة من المتظاهرين فى مظاهرات 1919 ضد الاحتلال الإنكليزي هذا النشيد محمسا إياهم دقت طبول الحرب يا خيالة وآدي الساعة دي
ساعة الرجالة
انظروا لأهلكم نظرة وداع نظرة ما فيش بعدها إلا الدفاع – وايضا قدم احنا الجنود زى الاسود – وقوم يا مصري مصر دايما بتناديك – مصرنا وطننا سعدها امان – احسن جيوش في الامم جيوشنا وغيرهم
وعالج الشيخ سيد في أغانيه الموضوع الاجتماعي في غلاء المعيشة والسوق السوداء قال استعجبوا يا أفندية لتر الجاز بروبية .
وتعاون السيد درويش مع عشرات الاصوات التي تغنت بالحانه والتي طبعت على اسطوانات ومنهم زكي مراد –
محمد انور – سيد مصطفى – عبد القادر قدرى – نسيم نسيم – عبد اللطيف البنا – سيد شطا – حامد مرسى ومحمد عبد الوهاب وبعد ذلك كارم محمود وابراهيم حموده وعبد الغني السيد وجميل عزت وعباس البليدى ورياض السنباطى واحمدصدقى ومحمود الشريف وسيد مكاوي واسماعيل شبانه واحمد حمدي وغيرهم – ومنيرة المهدية – حياة صبري – منتهى الوحيدة – امينة القبانية – نرجس المهديه – سمحة المصرية – فتحية احمد – نعيمه المصرية – الست تودد – هانم المصرية وبعد ذلك قدمن اعماله على المسرح وتغنت به بديعه صادق ولور دكاش ومارى جبران وشافيه احمد وشهر زاد وحوريه حسن واحلام وسعاد محمد وليلى جمال وغيرهن وهكذا نجد أن الشيخ سيد استطاع أن يدرك ويلمس سائر الأمراض الاجتماعية وأن يسهم في الميدان الوطني إسهاما كبيرا فكانت أغانيه الوطنية يغنيها الشعب بكل حواسه وقلبه ومشاعره ولم يكن أثر الشيخ سيد في ميدان التمثيل والأوبرا العربية بأقل من أثره في ميدان الموسيقى والموشح والدور والطقطوقة والمونولوج الشعبي والأناشيد الوطنية وغيره من ألوان الغناء العربي في شتى مواضيعه فقد أضاف إلى هذه المآثر مأثرة جديدة وهي تلحين الأوبريت والمسرح 26 عمل مسرحى وأول لحن كان أوبريت شهرزاد ظهرت هذه الأوبرا للمرة الأولى في 7 يونيه 1921 وكان انقلابها بدء انقلاب جديد في عالم الموسيقى العربية والألحان المسرحية كما لحن أوبرا العشرة الطيبة ألف هذه الأوبرا محمد تيمور ونظم أغانيها بديع خيري وكان عرضها فى 7 يوليو 1921 وألف نجيب الريحاني فرقة تمثيلية خاصة برآسه عزيز عيد لإخراجها وكلف السيد درويش بتلحين محاورتها وأغانيها ومن تلك المسرحيات ولو – اش – فشر – قولوله والتى غنى خلال احداثها السيد درويش القلل القناوي و قوم يا مصرى ولحن الكشافه – رن – كله من ده - ولحن أوبرا الباروكة وهذه التسمية هي اصطلاح فني يقصد به الشعر المستعار الذي يضعه الممثلون على رؤوسهم والرواية معربة عن أوبرا لاما سكوت لأروان وقدمت فرقة اولاد عكاشة مسرحيات ( هــدى) و ( عبد الرحمن الناصر ) و ( العبــرة) من تاليف محمود مراد وكان العرض 7 ديسمبر 1921 وتعاون مع سلطانة الطرب منيرة المهديه وقدم لفرقتها الحان مسرحيتين هما كلها يومين وغنت يحيا العدل – جانا الفرح – نم يا خوفو واستريح – انتصارك يا منيرة – صابحة الزبدة وكانت المسرحية الاخرى لمنيرة المهدية كليوباتلرا ومارك انطونيو والحان بصارة براجة ولم يمهله عمره عرضها واكملها موسيقيا محمد عبد الوهاب وتم عرضها عام 1928وكانت مسرحية كليوباترا ومارك انطونيو قد اقتبسها للمسرح العربي الأستاذان سليم نخلة ويونس القاضي وقدماها للسيدة منيرة المهدية التي قدمتها بدورها لسيد درويش لوضع موسيقاها ولكنه لم يلحن منها إلا الفصل الأول ايضا قدم الحانه لفرقة علي الكسار وكانت البداية مسرحية ( ولسه) وكان عرضها 1 اكتوبر 1919 – احلاهم وغني ياختي عليها وعلى بطتها والعرض 12 فبراير 1920- قلنا له وعرضت 13 مايو 1920- راحت عليك 25 اغسطس- مرحب 1 ديسمبر – ام 44 وغنى يا عشاق النبي – وقدم البربري في الجيش 3 ابريل 1923 – الهلال من تاليف عبد الحميد كامل وعرضت 14 يونيو 1923- اللى فيهم وعرضت قبل و بعد وفاة الشيخ سيد درويش – اما مسرحية الانتخابات فقد اكمل الحانها الملحن ابراهيم فوزى وكانت للشيخ سيد درويش فرقته المسرحيه والخاصه والتى قدم فيها مسرحيات حلاق اشبيليه وعرضها 8 ديسمبر 1921 وقدم فى حياته الفنيه 66 طقطوقه ( اهزوجه) ادينى فكرك انا كلى معاك – استعجبوله يا فنديه لتر الجاز بروبيه – اطلع من دول انا مش زيهم – الاستيك فوق صدرى يضوى – ان كنت شارينى ما تبعنيش – ان كنت شارينى ما تنقلشى – اهو دا اللى صار – انا على كيفك – ايه العباره – بالذمه قولولى يا رايحين المدبولى – بطلوده واسمعوا ده ( نهاوند) – بصاره براجه – بنجور يا هانم – تهمونى فى حبك – حرج عليه بابا – حلوه البنيه يا بطتها – خفيف الروح – زورونى كل سنه مره – يا بلح زغلول – يا حلوه فوقى صحى النوم – يا ختى عليها وعلى بطتها – يا زهرة الفتنه الذكيه – يالذيذ يا خضر – يالون الفل يا حبيبى – يا لابس ع الستره نجمه- يا محندقه يا ست الستات – يا ناس انا مت فى حبى – قومى يا نينتى هاتى الدايه – يا هل ترى على ايه – اسمع يا عاقل صوت الضحايا – اشوف البخت وابين زين – الحلوه شافت ليلة القدر – يا ناس حرام لما اصهين – يا مصر يحميكى ربك – سيبونى يا ناس فى حالى – عرفت اخرتها ويا حبى – على قد النرجس ما ينور – على ايه كده التقل ده – فلفل اهرى يا مهرى – فى الصاغه الصغيره – قلبى يعشق المحاسن – كيكى كيكى كيكو يا كيكى كيكو – ما تطلعيش فيها يا هانم – ما قعدش معاك – مظلومه وياك يابن عمى – معلوم يا هانم يلزمك – وانا مالى هيه اللى قالتلى – ياها اها يا اها قال ايه بتغير من بنتها – يا سكندريه يا اورباويه – ياانا يانت ياواد يا مقطقط – يا بابا ليه ماتدلعنيش – يا ما انت واحشنى وروحى فى هواك – يابو الشريط احمر – يا حلو لولو يا ختى بيقولوا نونو – ياللى بتحب الورد ليه من فوق شجرته تقطفه – حبيبى غاب مابعتش جواب – حود من هنا – الليله حلوه يا جمالها – مين فى اليومين دول زى الظباط - يا امى ليه تبكى عليه – لقيت انا كل الدنيا – الناس وقعتها خفيفه – ديك النهار كنت فى شباكى قاعده اتفرج – يابا مافيناش من اللى يغطرش – اسمع يا غافل عن ذكر ربك – بالذمه يافندى اتمشى لعندى ويحكى عنه صديقه الكاتب "بديع خيرى" أنه كان يصطحبه إلى حى بولاق بالقاهرة ليستمع إلى"بائع عجوة" ينادى فى نغمات جميلة مرددا " على مال مكة .على مال جدة .. مال المدينة يا شغل الحجاز وظهرت تلك النغمات فى "مليحة قوى القلل القناوى" التعبير الموسيقى تتلخص مدرستة الفنية فى مبادئ أساسية هى اختيار الموضوع والكلمات التعبير عن الموضوع والكلمة باللحن اختيار النغمات ذات الجذور الشعبية المصرية صياغة الجمل اللحنية فى أبسط صورة صياغة الألحان فى تراكيب حديثة متطورة وإيقاعات شابة مليئة بالحيوية وفى عام 1923 استعد سيد درويش للسفر لكن القدر لم يمهله ووافته المنية بالإسكندرية مسقط رأسه عندما ذهب إليها ذات فجر بعد سهرة مزاجية وظل يتنفس بصعوبة حتى اشرق الصباح ووافتةالمنية عند شقيقتة فى منزلها شارع الاميرعمر بحى الغيط الصعيدى امام كوبرى الفرخة طريق قناة السويس) وبينما كان الشعب فى فرحة غامرة بعودة زعيمه كانت أسرة سيد درويش تبكيه فى هدوء حزين ولم يتنبه أحد فى الخارج إلى وفاة روح الثورة كان سيد درويش يستلهم ألحانه من الألحان الشعبية البسيطة التى يرددها الناس فى مناسبات مختلفة ، وكان يستمع إلى كافة طوائف الشعب من باعة وشيالين ومراكبية وسقايين وفلاحين وعمال وغيرهم ، وكان له القدرة على تحويل تلك النغمات البسيطة إلى ألحان ذكية يستطيع كل الناس ترديدها فى سهولة واستطاع سيد درويش التعبير عن هموم وطنه وآماله فى أصدق صورة ،باللحن والكلمة ومن أهم أسباب انتشار موسيقى وألحان سيد درويش أنها بسيطة وسهلة مع عمق نغماتها وتأثيرها القوى فى النفوس ، ولم تكن ألحانه تحتاج إلى أصوات محترفة لترددها ، وقد كانت الأغانى السائدة فى ذلك الوقت من أصول تركية غير معبرة عن البيئة والمزاج المصرى ومليئة بالتراكيب المعقدة والزخارف اللحنية وهو ما كان معروفا بـ "موسيقى الصالونات" يسمعها فقط خاصة العائلات والطبقة الأرستقراطية من الأتراك ، كما أن موضوعاتها اقتصرت على الحب والغرام والهجر والفراق ، لكن سيد درويش استطاع أن يجعل الغناء للجميع ، وأحس المصريون لأول مرة فى العصر الحديث بأن لهم موسيقاهم المعبرة عنهم وعن جذورهم ومشاعرهم وعمل سيد درويش كثيرا على إيقاظ الروح الوطنية بين المصريين بألحانه ، ولم يتقاض أجرا عن تلحينه لأعطم ألحانه الوطنية ويكفى النظر إلى بعض مقاطع أغانيه لكى نعرف عن ماذا يتحدث سيد درويش وما الذى يعبر عنه ، ولكى ندرك النقلة الكبيرة التى أحدثها فى أنشودة انا المصرى كريم العنصرين بنيت المجد بين الإهرامين جدودى أنشأوا العلم العجيب ، ومجرى النيل فى الوادى الخصيب لهم فى الدنيا الاف السنين ويفنى الكون وهم موجودين وفى لحن سالمة يا سلامة صفر يا وابور واربط عندك نزلنى فى البلد دى بلا أميركا بلا أوربا مافى شى أحسن من بلدى وفى نشيد قوم يا مصرى قوم يا مصرى مصر دايما بتناديك، خد بناصرى نصرى دين واجب عليك شوف جدودك فى قبورهم ليل نهار .. من جمودك كل عضمة بتستجار صون آثارك ياللى ضيعت الآثار .. دول فاتوا لكمجد خوفو لك شعارليه يا مصرى كل أحوالك عجب تشكى فقرى وانت ماشى فوق دهب مصر جنة طول ما فيها انت يا نيل عمر ابنك لم يعش أبدا ذليل"
وفى أغنية طلعت يا محلا نورها شمس الشموسة ياللا بنا نملا ونحلب لبن الجاموسة وكذا الحال فى نشيد بلادى بلادى صياغة المؤلف الشيخ محمد يونس القاضى وفى لحن الصنايعية الحلوة دى قامت تعجن فى البدرية .. والديك بيدن كوكو كوكو فى الفجرية"ياللا بنا على باب الله يا صنايعية .. يجعل صباحك صباح الخير يا اسطى عطية والأغنية التى انتقدت الشباب فى خدمة الجيش الانجليزى يا عزيز عينى وانا بدى اروح بلدى ..بلدى يابلدىوالسلطة خدت ولدى ويقول الموسيقيون فى مصر ، كبارهم وصغارهم كلنا خرجنا من عباءة سيد درويش وهم يعترفون بذلك لأنه كان المجدد الأول فى العصر الحديث ، ولأن التطور الذى أحدثه كيفا وكما كان كفيلا بمد من جاءوا بعده من الفنانين بمدد لم ينفد بعد وقد مضت أكثر من ثمانبن سنة على وفاته ، وتكفى هذه الشهادة لإثبات مدى أصالة عن هذا الفنان ، وكانت الموسيقى قيله من عزف وغناء وتأليف وتلحين لمئات السنين تهتم بالقوالب الشكلية والزخرفة بصرف النظر عن الجوهر والمضمون ، واتفق فى ذلك الفن التركى مع بقايا الفن الأندلسى من الموشحات وانفصال كلاهما بالتالى عن واقع الحياة والناس ، وقد توجه سيد درويش بالموسيقى نحو الأصول الشعبية والتحديث سار على نهج سيد درويش كبار الملحنين فى القرن العشرين ، والذين لم تقتصر ألحانهم على مصر بل ذاعت فى جميع الأقطار العربية ، وهم محمد القصبجي وزكريا أحمد ،واحمد صبري النجريدي وداوود حسني ورياض السنباطى ومحمود الشريف واحمد صدقى واخرين، وأحدثت تلك الألحان ثورة جديدة فى الذوق العربى الموسيقى والواقع أن المتتبع لآثار فن السيد درويش فى أعمال الآخرين لا يجدهم فقط قد ساروا على منهجه وإنما يجد أيضا مقاطع كاملة من أعماله فى أعمالهم ،وهم لم يستطيعوا حتى تحويرها أو تغييرها معالمها فظهرت كما هي! وقد يقود هذا إلى الحديث عن سرقة ألحان السيد درويش من قبل الفنانين اللاحقين ، لكن فى رأينا أنه التأثير القوى الذي لا فكاك منه! فهؤلاء الفنانون أساتذة كبار وبوسعهم وضع ألحان غاية فى الثراء وليست السرقة من شيم الأثرياء ،ونحن إذ ننفى عنهم هذه التهمة فهم بعترفون بأنهم واقعون تحت تأثير السيد درويش وأنهم تربوا جميعا فى مدرسته الرحيبة ، ولهذا لا بأس من تتبع آثارة في موسيقاهم لنعلم مدى ذلك التأتير ولنضع السيد درويش فى مكانته الحقيقية وكثيرا ما وصف بالعبقريةومن مظاهر عبقريته :أن عمره الفنى لم يتجاوز ست سنوات وتوفى عن 31 عاما لكنه أحدث ثورة هائلة فى الموسيقى الشرقية فما مازالت أعماله تردد حتى اليوم استطاع في تاريخ الموسيقى العربية التعبير باللحن عن الكلمات والمواقف الدرامية أول فنان يجعل من الموسيقى الشعبية فنا قوميا راقيـا وضع أسس المسرح الغنائى التعبيرى وألف أعظم الألحان المسرحية حتى الآن ألف عشرة أدوار غنائية من مقامات مختلفة هي كم صغير فى عالم الأدوار لكنها أفضل عشرة على الإطلاق وضع مقاما موسيقيا جديدا أسماه زنجران جعل الغناء للجميع بعد ما كان مقصورا على المحترفين ظهرت آثاره الفنية فى كل ما جاء بعده من موسيقى لم يستطع أحد حتى الآن تقديم أعمال موسيقية ترقى إلى مستوى اعماله الموسيقية واستحق سيد درويش لقب أبو الموسيقى المصرية" حيث كانت منزلته الفنية بالشرق كمنزلة " بيتهوفن" بالنسبة للموسيقى الأوربية وقد لقب بالقاب كثيرة ومنهم خالد الذكر فنان الشعب أبو الموسيقى المصرية والموسيقار الاول و نابغة الموسيقى امام الملحنين وعبقرى ونابغة الموسيقى وغيرهم.
قدم فى حياتة 10 ادوار هم يافؤادى ليه بتعشق ياللي قوامك يعجبني عواطفك دي اشهر من نار عشقت حسنك ضيعت مستقبل حياتي الحبيب للهجرمايل يوم تركت الحب في شرع مين انا عشقت وانا هويت وانتهيت مقام حجاز كار كرد وقدم للاجيال 66 طقطوقة ومنهم ادينى فكرك انا كلى معاك استعجبوله يا افندية لتر الجاز بروبيةاطلع من دول انا مش زيهمالاستيك فوق صدري يضوي ان كنت شاريني ما تبعنيشاهو دا اللي صارانا على كيفكاية العبارة بالذمة قولولي يا رايحين المدبولي بصارة براجة بنجور يا هانمحرج علية بابا خفيف الروح وغيرهم وقام السيد درويش بتقديم اعمالة اللحنية لاكثر من 25اوبريت غنائى ومنهم شهو زاد المبروكة هدىعبد الرحمن الناصرالعبرة كلها يومين كليوباترا ومارك انطونيوالعشرة الطيبة ولو اش فشر قولوا لة رن كلة من دة فيروز شاةالهوارىراحت عليك(بنت الحاوى) البربرى فى الجش ولسة ام 44مرحبالهلالاحلاهم قلنا لة اللى فيهم الانتخابات حلاق اشبيلية ومن اشهر اعماله الغنائيه والتى تغنى وطبعها على اسطوانات انا هويت وانتهيت وضيعت مستقبل حياتى من تاليف الشيخ محمد يونس القاضى انا عشقت لبيرم التونسى اقرا يا شيخ قفاعه والكوكايين كخ اوعى يمينك وساله يا سلامه وهز الهلال يا سيد من تاليف بديع خيرى على قد الليل ما يطول والله تستاهل يا قلبى من تاليف امين صدقى قد غنى الكثير بالحانة من اهل الطرب ومنهم المطربيين السكندريين عبد الرزاق ابراهيم ونادر زغلول و احمد حمدى وحمدى روؤف وفتحى جمال الدين وصبحى عطاالله وعمر محمود وعادل جلال وكان يقود تلك الفريق الفنان والمدرب الموسيقى حمدى روؤف فى احتفالات ذكرى السيد درويش والتى كانت تقام فى كوم الدكه وبالقرب من مولده كل عام ولاننسى الفريق الموسيقى بقيادة الفنان مدحت بسيونى وكوكبة الاداء المسرحى وفى السنوات الاخيره كان حفيده المطرب ايمان البحر درويش يواظب على الحضور والغناء وسط كوكبه من محبى فن السيد درويش انتهت حياة هذا الفنان الخالد يوم 14 تشرين الاول 1923 وله من العمر إحدى وثلاثون سنة وما أقصره من عمر وما أكثره من إنتاج وما أشقه من جهاد في سبيل هذه الحياة القصيرة المتواضعه
*اذاعي وناقد موسيقي له العديد من المؤلفات في مجال دراسة الاغنية العربية والعراقية توفي في منتصف التسعينات
عن كتاب رحلة مع الانغام
سيد درويش:ولقب فنان الشعب
يحيى البكري
تمضي الأيام وتتساقط أوراق الزمن وتبقي الذكريات حافلة بالأمجاد والتفرد والعبقرية شخوصاً أعطت وأضافت قدمت وأثرت أرست وشيدت انهم رموز الفكر والفن والابداع سيبقى عبقري الألحان سيد درويش “17 مارس 1892 م 15 سبتمبر 1923 م” بأعماله الفنية الرائعة معمارا خالدا خلود الأهرام والنيل في ذكرى فنان الشعب قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي تقول:
سيد الفن استرح في عالم آخر العهد بنعماه البلاء ربما ضقت فلم تنعم به وسري الوحي فنساك الشقاء أما الفنان كامل الخلعي فيري انه علم المواكب وكوكب الكواكب ونبراس المهتدين ومشكاة المتعلمين ودوحة المسارح وقبلة كل صادح. ويضيف قائلاً عن سيد درويش: كان رحمه الله عصاميا ونابغاً عبقريا فصيح اللسان قوي الحجة والجنان إن قال صال وإن أجاب أصاب وإن نادم أعجب وان غنى أطرب كان الكتاب عالما جديدا حيث ألحقه والده فكانت اللبنة الأولى مثل باقي رموز الفن والابداع في مصر توفى الوالد ولم يبلغ السيد درويش عامه السابع انتقل الى إحدى مدارس كوم الدكة بالإسكندرية فكان لقاؤه الأول مع الموسيقي على يد أستاذه نجيب أفندي فهمي الذي كان يلقن تلاميذه الأغاني والأناشيد فكانت النواة الأولى لتلك الموهبة الفريدة حفظ العديد من القصائد والتواشيح الدينية عن السيرة النبوية الشريفة رددها بعد سماعها من المشايخ حسن الأزهري وأحمد ندا كافح من أجل لقمة العيش مارس العديد من المهن تارة في مجال العطارة أو النقش والبياض أو في محل لبيع الأثاث وفي الليل كان يقوم بتلاوة القرآن وترديد التواشيح الدينية تجول سيد درويش في المقاهي الشعبية بالإسكندرية مع فرقته الغنائية الصغيرة وكان هو مؤلف أغانيها وملحنها ومطربها أيضا سافر الى الشام عام 1909 م وهو في السابعة عشرة من عمره مع فرقة سليم عطا الله لكن الرحلة لم تؤت ثمارها كان الفشل حليفه لكن أمه بكل حنانها أمدته بالمال اللازم لعودته ولم يحبط سيد درويش هكذا الأفذاذ وصناع التاريخ الذين غيروا وجه الحياة في بلادهم استمر في كفاحه واصراره من أجل تحقيق الهدف ألحقه جورج أبيض في فرقته مطرباً بعد سماعه في العديد من مقاهي الإسكندرية سافر مع الفرقة الى الشام عام 1912 م نجحت الرحلة والمحاولة تعلم فيها سيد درويش العديد من الابداعات الموسيقية عزفاً على العود وأنغاما وأساليب جديدة وكان عثمان الموصلي هو أحد ينابيع هذا الفتح الجديد حيث درس معه أشكال الغناء العربي التقليدي خصوصا الموشحات الذي ظهر في الأندلس ومن ألحان سيد درويش التي أخذت شكل الموشحة: منيتي عز اصطباري و يا شادي الألحان والعذاري المائسات ويا بهجة الروح وهاتي يا ساقي ويا غصين البان وكلما رمت وصحت وجدا بعد نجاحه في الإسكندرية انتقل الى القاهرة عام 1916 م حيث عمل في تياترو عباس مع جورج أبيض وسلامة حجازي الذي تحمس له وشجعه فقدمه الى الجمهور قائلا: “احفظوا اسم هذا الشاب واذكروا انني فخور به معتزاً ولتعلمن نبأه بعد حين”. قام سيد درويش عام 1917 م بتلحين أوبريت فيروز شاه لفرقة جورج أبيض لكن فشلها مع أول عروضها جعلته يعود أدراجه من حيث أتى الى الإسكندرية يجتر مرارة الفشل والاحباط لكن فناناً عظيما في حجم نجيب الريحاني وبحسه الفني الرفيع شعر بتلك الموهبة والإضافة في ألحان سيد درويش فعهد إليه بتلحين أعمال فرقته وكانت الانطلاقة التي ملأت الأسماع في كل أنحاء المحروسة في زمن لم يعرف الجمهور الراديو والبث الإذاعي بعد وكان يتقاضي مرتباً شهريا قدره مائة جنيه. تمثلت عبقرية سيد درويش وعطاؤه وتجديده في تقديم جميع أنواع القوالب الموسيقية من الموال والموشح والدور والطقطوقة والأناشيد الوطنية والمونولوج والديالوج شارك في تأليفها محمد يونس القاضي و بديع خيري وأمين صدقي و بيرم التونسي وعمر عارف و سيد درويش الى جانب كلمات من التراث القديم من الأدوار الخالدة التي تشكل قمة الابداع الفني: أنا هويت وانتهيت وأنا عشقت وفي شرع مين والحبيب للهجر مايل ويا فؤادي ليه بتعشق وياللي قوامك يعجبني وعواطفك دي أشهر من النار. وقام سيد درويش بتلحين العديد من الطقاطيق منها زوروني كل سنة مرة ولحنها بعد خصام مع محبوبته وملهمته الى جانب طقطوقة مظلومة وياك يا ابن عمي وايه العبارة وحلوة البنية ويا بلح زغلول. وقد ألف سيد درويش العديد من كلمات الأدوار والطقاطيق معبراً عن أحاسيسه ومشاعره بموسيقي عبقرية مسبوقة لقد قدم عبقرية الغناء سيد درويش ألحانا خالدة في روايات العديد من الفرق منها فرقة نجيب الريحاني في روايات ولو وأش ورن وقولوا له وفشر والعشرة الطيبة ولفرقة منيرة المهدية كلها يومين وكليوباترا ولفرقة على الكسار الهلال ولسه ومرحب وأم أربعة وأربعين وراحت عليك والبربري في الجيش والانتخابات ولفرقة عكاشة هدي والدرة اليتيمة وعبدالرحمن الناصر ولقد كون سيد درويش فرقة خاصة قدمت روائع موسيقية منها أوبريت شهرزاد والباروكة لقد عشق سيد درويش وطنه مصر حتى النخاع قدم فنه الصادق الخالد قرباناً لهذا العشق المجنون العاقل رددنا معه بلادي. بلادي لك حبي وفؤادي وقوم يا مصري مصر دايماً بتناديك وأنا المصري كريم العنصرين ولا يمكن أن نغفل حسه الوطني وعشقه للأرض والانتماء ففي أغنية القلل القناوي تشجيع على تفضيل البضائع الوطنية وحين يرسخ لقيم الانتماء والهوية والتمسك بالوطن في لحن العمال نستمع الى صفر ياوابور واربط عندك نزلني في البلد دي بلا أمريكا بلا أوروبا ما فيش أحسن من بلدي وعمل آخر يقف فيه مع فئات الشعب ضد الاحتلال الانجليزي من خلال أغنية الموظفين الذين أضربوا استنكاراً لموقف الانجليز من سعد زغلول ردد الشعب: هز الهلال يا سيد ولأن سيد درويش حالة ابداعية فريدة وجزء من تاريخ أمة وحركة مجتمع فلقد انتقد تردي الظروف الاقتصادية تلك الفترة فكان لحنه استعجبوا له يا أفندية لتر الجاز بروبية ولم ينس المرأة وطالب بحقوقها وحثها على الصراع ضد المحتل الأجنبي ذلك في لحن بنت مصر: “دا وقتك دا يومك يا بنت اليوم قومي اصحي من نومك بزياداكي نوم وطالبي بحقوقك واخلصي من اللوم”. في لحن الممرضين دعوة الى الوحدة الوطنية ونبذ المشاعر الطائفية “قريب غريب كان ولا حبيب مسلم قبطي ما فيش تكليف إذا كان هلال ولا صليب مادام يكون القصد شريف ما فيش موانع تمنعنا من اعتبار الاثنين إخوان” .
سيد درويش - صحفيا - مقالات بقلمه
إثبات علامة ربع المقام
نشرنا في اللواء الأغر كلمة نلفت فيها نظر حضرتي الأستاذين "منصور أفندي عوض وسامي أفندي الشوا " إلي أن علامة ربع المقام ليست من وضع منصور أفندي ولكنها قديمة فنشر سامي أفندي كلمة يوجهها إلينا ويحاول أن ينقض بها ما ذهبناإليه ، ونشر منصور أفندي في" المقطم " كلمة إلي ذوي الأغراض وها نحن ندحض قول كل منهما فيما يأتي:
فهم سامي أفندي أننا قلنا أن علامة ربع المقام من تأليف الأتراك ولكننا لم نرجع بها الي تاريخها الأول لنبحث عمن كان أول واضع لها بل قلنا أنها أتت فيما كتبه الأتراكفي الموسيقي ووردت في مؤلفاتهم التي طبعت ونشرت قبل أن يسجل منصور أفندي علامته التي يدعي تأليفها وها نحن ننشر صورة الصحيفة (16) من كتاب" خواجه سز" الذي طبع منذ ست عشرة سنه أي قبل تاريخ تسجيل منصور أفندي ويري فيه القارئ علامة ربع المقام المسماة ( نيم بيمول ) و ( نيم دييز )ولعل ذلك دليل قاطع لقول كل مكابر واني أذكر بهذه المناسبة اني قابلت منصور أفندي في الأسكندرية يوما فدار حديثا حول هذا الكتاب فقال أنه يملك نسخة منه وأنه اطلع عليها فلم يجد فيه العلامة المذكورة ، وليت شعري ماذا يقول منصور أفندي بعد نشر صورة هذه الصحيفة ، الا يزال مصرا علي أنه يملك نسخة منه فإذا كان الأمر كذلك فإما أن يكون قد كذبني يوم ادعيأنه اطلع عليها وإما أن يكون قد اطلع عليها حقا فنقل منها العلامة المذكورة ونسبها الي نفسه ظنا بأن الأيدي لا تصل الي هذا الكتاب لتفضح تلك الحقيقة .
أما " ذاكر بك و بيومي أفندي" فلم يضعا علامات ربع المقام فيما كتباه لسبب فني يدهشني أنه غاب عن سامي أفندي الشوا ، لقد كان هذان الأستاذان يكتبان للموسيقي" النحاسية "أو للبيانو وهي آلات أوروبية ليس في تركيبها مجال لإظهار ربع المقام ، فمن العبث أن يكتب الكاتب شيئا يعلم ان الآلة الأفرنجية عاجزة عن إخراجه؟ أما قول سامي أفتدي بأنه لو فرض وجود الكتاب الذي استند عليه وفيه العلامة المذكورة لكان معني هذه الإستعانه بتلك العلامة علي تدوين الصوتين الزياده في سلم موسيقاهم عن سلم الموسيقي الأفرنجية فإنه تحصيل حاصل فبدلا من هذا الكلام الطويل نقول أنهم استعملوا تلك العلامةللدلالة علي ربع المقام وكفي :
هذا ما كان من أمر سامي أفندي وقوله لا يخرج عن السفسطه. يدعوني إلي مدرستهم الموسيقية" بالضاهر" للأطلاع علي ما يخيل إليه أني جاهل به ، مع أني دعوته إلي منزلي فلم يجب الدعوة فنشرنا هذه الصفحة المشرفة لنا المخجلة لمناظرينا ، والفرق بين الدعوتين ظاهر،
فدعوتي له كانت عن حب في الأقناع ، اما دعوته لي فإنها إعلان عن المدرسة.
أهنئ سامي أفندي أنه نجح في نشر اعلانه بغير أجرودليل علي أن دافعه الي ذلك إنما هو الأعلان ان منصور أفندي لما قدم كلمته الي " المقطم" أبي أن ينشرها كرد مني إذ اشتم خلال سطوره رائحة الأعلان فاضطر منصور أفندي أن ينشره بتلك الصفحة بنمرة (2812 في عدد 10161) وليت منصور أفندي اتبع في رده طريقة النقد الأدبي فخاطبنا بالأسم كما نخاطبه بل أشار إلينا بقوله " يشبع ذو الأغراض "
لا أنكر أنني من ذوي الأغراض ولكن أغراضي هي صلاح حال موسيقانا المضطربة بإضطراب القائمين بها رفقا بهم فإن الغرور ما دب في نفس إلا أطفأ نورها وما ختم علي عقل إلا وقف به عن التقدم:
يدعي منصور أفندي أن هذه العلامة من تأليفه ونحن نزيد علي ما قدمناه ونحن نزيد علي ما قدمناه أنه علي فرض أنه أول من فطن إليها وهذا مستحيل ، لما عُدً مؤلفا لها وليسي مقتبساً لها إذ لا تختلف هذه العلامة عن علامة نصف المقام المعروفة ( والتي نحمد الله علي أن كثرة تداول الكتب المدرجة فيها هذه العلامة حال دون إدعاء منصور أفندي عوضنسبتها إليه أيضاَ ) إلا بشرطة صغيرة تميز الواحدة عن الأخرى، فهل أعتبر مخترعا " للتليفون" إن أضفت إليه قطعة جديدة تزيده قوة أو سرعة ؟ كلا ....بل أكون محسناَ فقط لما هو معروف من فبل أو مقتبسا لما هو مخترع من قبل ، فما بالك إذاثبت أن تلك القطعة الجديدة المدعاةكانت بنفسها معروفة متداولة ! ألا فليتق الله منصور أفندي وسامي أفندي وليعترفا بخطئهما فالرجوع إلي الصواب فضيلة إلا إذا رأى كل منهماذلك المخرج الشريف من المأزق وهو : (توارد خواطر)
نسأل الله أن يهدينا إلي ما فيه الخير
خــادم الموسيــــــقي
الشيخ سـيد درويش
***
إلي أساتذة الموســـــــيقي
اللواء المصري/16 يوليه 1922
طرق باب منزلي يوما ففتحت وإذا بساعي البريد يناولني العدد السادس من
مجلة ( الروايات المصورة)
فدهشت إذ لم أكن من مشتركيها واسترجعته الأمر لعله يكون قد أخطأ العنوان
فأعاد النظر إليه واطمأن إلي صحته فأعطانيه وأنصرف .
فضضت الغلاف وتصفحته فاستوقف نظري مقال في الموسيقي ففهمت إن هذا بيت
القصيد وقلبت الصفحات وعثرت علي رد عليه فأدركت أن مرسل العدد يطلب إلي
أن أدلي برأيي في الموضوع أو هويتحداني إذا كان ممن يعرفون عني إلتزام
الحيدة كلما قامت منازعات حزبية .
تلوت المقالين فلم يرقني أسلوب الفريقين فكله قذف لايصل بصاحبه إلي
الغرض الذي يرمي إليه من ترقية الفن.
ففي الوقت الذي نشكر فيه الأستاذ(منصورأفندي عوض) وحضرة (سامي أفندي الشوا) علي إدارة مدرستهما لخدمة الموسيقي ،
لا نقر القائلين علي أن "روضة البلابل" سخيفة سقيمة ولم أكد أتم المقالين
حتي وافاني صديق برسالة عنوانها
"تقرير الموسيقي المصرية عن سنة 1922" تلوته أيضا فدفعني الواجب نحو الفن أن أرد عليه وسأرجئه للمقال الثاني إن شاء الله،
وها أنا أبدأ بإجابة مرسل المجلة إلي ما طلب ( ولم أتشرف باسمه إذ لم
يضمنه رسالته)
ولكي أقوم بخدمة للفن الذي وقفت عليه جهودي ، أؤثر الحياد في المسائل
الشخصية ، ولكن الأمر إذا تعداها إلي المسائل الفنية فهنا لا يعرف الصديق
صديقه ولا يبقي الصادق علي حقيقة إلا أخرجها للناس إبتغاء مرضاة الحق لا
يخشي في ذلك لومة لائم .
أضم صوتي إلي صوت - سامي أفندي الشوا - بأنه لا توجد نغمات تسمي (صبا كردان أو نهاوند كردان أو كردي راست ) كما إدعي اسكندر شلفون .
أما علامة ربع المقام التي ورد ذكرها فإنها ليست من إستنباط - منصور
أفندي عوض - بل هي قديمة مدونة في كتب تركية وعندي منها ما هو مطبوع
وإني مستعد لعرضه علي من يشاء.
أما قول سامي أفندي الشوابأنه سافر الي الأستانة فلم يجدمن بين كبار
الموسيقيين الأتراك من يستعمل علامات ربع المقام فمردود عليه، وإلا
فليتفضل بذكرأسماء هؤلاء الأساتذة وإني علي ثقة تامة من أنه لن يستطيع أن يذكر اسما واحدا منهم .
أما الإدعاء بأن الأستاذ منصور أفندي عوض استنبط علامات ربع المقام فهذا
باطل لأنها واردة في كتب قديمة مطبوعة كما ذكرنا وإني أنصح لحضرته بصفتي صديقه أن يسحب تسجيله لتلك العلامات من المحكمة المختلطة المصرية فلا معنى لأن يسجل الإنسان باسمه شيئا قديما معروفا إلا إذا كان يعتقد أن البلدخلو من المطلعين علي تاريخ الفن وتطوراته في مصر والخارج ،وليست هناك عبرة بأن يغير بعض التغيير في معالم العلامات الأصلية.
وأما قوله بأن الأتراك يدونون كل مؤلفاتهم بالنوته الأرمنية فليس هذا
دليلا علي أن موسيقاهم خلو من علامة ربع المقام .
وأما ردي علي قول سامي أفندي الشوا بأنه مستعد أن يثبت لنا عدم وجود
علامات ربع المقام عند الموسيقيين الأتراك بمؤلفاتهم المخطوطة وكتبهم
الموسيقية فهو (هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) فليس الأمرفوضى بيننا .
وإذا شاء حضرته الأطلاع علي كنوز هذا الفن فليتفضل بزيارة لمكتبتي فإن
فيها مما كتب في الموسيقى ما لا يوجد في دور الكتب بمصر والإسكندرية
والسلام .
خــــادم الموســـــيقى
الشيخ ســـيد درويش
***
حضرة الأستاذ الشيخ سـيد درويش
( النيل - 9 سبتمبر 1921)
أراد الله لهذا البلد الأمين أن يرفع شأن الفن فأنجبت مصرحضرة الأستاذ النابغة الشيخ سيد درويش ، فأخرج للناس من كنوزالموسيقى آثارا يجب يجب الأحتفاظ بها ودررا تسابق الناس إلى إلتقاطهاحتى اصبحت وألحان الأستاذ الشجية تملأ الدور والطرقات يتغنى بها الفتى وتعزف بها الفتاة في خدرها، وينشدها الحادي ويستعين بها الفلاح في حقله على قتل الوقت .
وما ذلك إلا أنها روح جديدة وأنغام توافق الأذواق وللأستاذ عبقرية لا يجهلها المصريون ويقربها من لهم إلمام بهذا الفن الجميل .
وقد أراد الله لهذا الفن الرفعة الحقيقية والرقي الذي تنشده الأمة من عصور مضت ، فوفق الأستاذ الشيخ سيد درويش إلى تأليف كتاب موسيقي أهداه إلى جريدتنا (النيل) لنشره تباعا ، وقد بدأنا في هذا العدد بنشر القطعه الأولى - في تعريف الموسيقى- وسنتبعها بنشر قطعه في كل عدد ونشر أغنية من تلحين الأستاذ مع نشر نوتتها ليسهل على الفتيات ومن لهم ولع بضرب الآلات الموسيقية تناولها وأخذ الفن من منبعه .
وفقه الله إلى ما فيه رفعة الفن الجميل .كانت وهذه هي القطعة الأولى من كتاب (الموسيقى) للأستاذ الشيخ سيد درويش
(الموســـــــــيقى)
أصوات مكهربة تَحدث أنغامها بواسطة اهتزازات تنجذب لها الأفئدة كماتنجذب الإبرة للمغناطيس .
وهي محك القلوب يعرف بها الحساس فيؤخذ عند سماعها ويبغضها الجبان فلا يلوي عليها.
- يأتي المولود من عالم الغيب إلى دنيانا فتستقبله القابلة والأقارب بأغاني الفرح والحبور. يحييهم عندما يرى النوربالبكاء والعويل فيجيبونه بالهتاف والتهليل كأنهم يسابقون بالموسيقى الزمان على إفهامه الحكم الإلهية .
- هي نغمات رقيقة تستحضر على صفحات المخيلة ذكرى ساعات الأسى والحزن إذا ما كانت محزنة أوذكرى أويقات الصفا والأفراح إذا ما كانت مفرحة.
- هي جسم من الحشاشة له روح من النفس وعقل من القلب .
- هي عامل من عوامل الشعور الحي الذي يقود المرء حيث الغرض المقصود من التوقيع إن حزنا فحزن وإن شجاعة فشجاعة ولذلك كانت من أهم عدد الجنود في الممالك المتمدنة .
وإنك لن تجد جيشا إلا ومن أوائل مطاليب رؤساءه إتمام معدات ( الأصول الموسيقية).. ولم؟
لأنهم يعتقدون الإعتقاد الكلي بأن الجندي يدفعه إلى خوض غمرات القتال عاملان:
أولهما .. المدافع الوطنيةالمبنية على الشعور الكامن في الفؤاد الذي يحتمه حب تربة البلاد الذي رضع من ثدييها وشب وترعرع من خيراتها .
وثانيهما ..(القوة التأثيرية) التي تدفعه لعامل التأثيرالذي لا يترك للفكر مجالا للتجوال حول الماديات الإجتماعية التي لا يخلو منها أيا كان وهي ( القوة الموسيقية) فإنك ترى الجنود عند توقيعها ثملين بخمرة الشهامة والهمة لا يفكرون إلا في التقدم إلى الأمام مهما كانت قوة الأعداء التي أمامهم والفضل في ذلك راجع إلى ما قلنا من أن( توقيع النغمات).
تدفع الجيش للقتال ببأس .......... أقوى عزما من الأســود الضواري
تســكت الطفل إن بـــكى ..........وتداوي كل مضى مشتت الأفكاري
فهي والله ســلوة وسرور........... بل وســـر من أجمل الأســــــرار
خادم الموســــــيقى
الســـــيد درويــــش
***
هجوم وانتقادات على ألحان الشيخ سيد.. ورده عليها
في عام 1919 تعرض الشيخ سيد لحملة شعواء على ألحانه ليس من الموسيقيين والنقاد ولكن من بعض المدعين بالدين والإصلاح هذا أحدهم :
فقد كتب الأستاذ( المرصفي) مقالا في جريدة ( المنبر - 3 مارس 1919 عدد 1462)
تحت عنوان (تعاليم المفسدين ) .. جاء فيه:
والنبي تيجي ما تتقلشي .............. دانا علي بعدك مقدرشي
قلبك ليه مابيرحمـــشي ............... أنا دليكات ماستحملشي
يوه يوه من يوم بعـدك ................ يوه يوه قلبي عـــندك
يوه يوه على حبك يــــــــوه
ليتصور هذا ثم ليراقب نفسه ويحاسب ضميره وليقل لتا ما عسى أن يجد في نفس ذانكما الصبيين من صالح الأمر أو فساده، وليسمح لنا أن نسأله عن قوة التقليد التي هي في الإنسان ما هي فاعلة بعد ذلك في خلواتها ولاسيما وقد جرفت تلك المراسح كل أنواع المرغبات وجميع عوامل المشجعات ، فمن مناظر جذابه الى أنا شيد وتوقيعات مشوقه .
فكيف يستطيع الحليم أن يقف أمام هذه العوامل الحارة جامدا لا يتأثر وكيف يقوى على ضبط نفسه وكظم عواطفه ..) .
وإزاء تزايد هذه الحملة الشعواء ، فكر سيد درويش بإتخاذ موقفا واضحا من هذا الهجوم ،
وأترك الكلمة لسيد درويش يدافع بها عن نفسه وقد نشرتها جريدة ( المنبر في 12 يوليو 1920 - عدد 1803 - ص3)
تحت عنوان :
( في سبيل الفن )
" ليست الموسيقى صناعه من الصناعات المنحطة الي يتخذها محترفوها وسيلة للكسب فحسب ، بل هي فن جميل راق يجب أن يعمل المشتغلون به على ترقيته قبل أن يعملوا على الربح منه ، لأنه من الفنون التي تستخدمها الأمم الراقية لتقويم الأخلاق وترقية النفوس والحض على الولاء .
ذلك إعتقادي وهو إعتقاد كل مشتغل بفن الموسيقى بإخلاص وغيرة ،بل هوالواجب المحتوم على كل من يتصدى لخدمة هذا الفن.
فلما طلب إليَ نجيب افتدي الريحاني أو( كشكش بك) تلحين رواياته
وقفت وقفة المصلح الذي يخجل أن ينزل الموسيقى إلى تلحين (ولكن أخوك ما عتقش مرة) وغير هذا مما عرف عن الروايات الكشكشية .
أصلحت لغة الألحان ما إستطعت ،
وبذلت الجهدالوفيرفي إخراجها نقية من السخائم والقاذورات ،
فجاءت في المدة الأخيرةالتي سلختها في تلحين روايات كشكش على مايرضي الكثيرين ، لا كما أريد وأتمنى ، لأن الطفرة محال .
وقد أكثر الناس عن سؤالي عن الأسباب التي حملتني على هجر المسرح الكشكشي بعد أن راجوا مني خيرا في إصلاحه وتهذيبه .
ولهؤلاء أقول :
إنني لم أغادره لأن صاحبه جزاني جزاء سنمار ، ولكن لأنني رأيت من الجنابة على الفن، أن لا أوقف علمي وجهادي على مسرح يعمل مؤلفه على خدمة الأمه والأخلاق ويبذل رئيس ممثليه جهده في ترقية فن التمثيل لذلك آثرت أن أكون يداً عاملة مع أمين أفندي صدقي وعلي أفندي الكسار ...
خادم الموســـــــيقى
الشيخ سيد درويش
***
هذه الموضوعات نشرت في مجلة اللطائف المصورة واللواء المصري الصادرتان عام 1919
المدي











